آخر تحديث:21:00(بيروت)
الأحد 05/01/2020
share

اغتيال سليماني.. نظرة أولية إلى معطيات المشهد

نجيب جورج عوض | الأحد 05/01/2020
شارك المقال :
اغتيال سليماني.. نظرة أولية إلى معطيات المشهد Getty ©

المتابع لما يرشح في أميركا عن دوائر السياسة في أعقاب عملية تصفية قاسم سليماني وآخرين مؤخراً، يلحظ ثلاثة أصوات مختلفة تتردد في أصداء المشهد السياسي الأميركي.

الأول، وهو الأقوى والأهم والأكثر تأثيراً، صوت يقرأ العملية في سياق السياسة الأميركية الداخلية الصرفة وصراع الديموقراطيين مع الجمهوريين ورئيسهم، ومحاولة هذا الأخير لمواجهة قرار العزل ضده والسير نحو محاولة إعادة انتخابه رئيساً لفترة رئاسية جديدة على قاعدة تقديم نفسه لجمهوره كبطل أميركي قومي أثبت قوة أميركا ومنعتها وهو وحده سيكون الرئيس القوي لحمايتها.

أما الصوت الثاني فهو صوت استراتيجي يقرأ العملية في سياق الأمن القومي الأميركي، متسائلاً ما إذا كان قاسم سليماني وما يمثله يشكل خطراً على أمن أميركا القومي والاستراتيجي وهو ميت أكثر مما شكل عليها وهو حي، ومن ثم يقوم أصحاب هذا الصوت بالتشديد على أن الأثمان التي ستدفعها أميركا من الانتقام الإيراني المتوقع لمقتل جنرالها ستكون باهظة وأعلى كلفة من الأثمان التي تسبب بها الجنرال المذكور في حياته وفي قيادته لكافة عمليات إيران القذرة في المنطقة، خاصة وأن أميركا، كما يقول هذا الصوت، ليست في حالة "حرب" مع إيران، بل في حالة نزاع سياسي ومصالحي لا أكثر.

والصوت الثالث في المشهد العام فهو صوت إعلامي شعبوي تسطيحي يطلق صفارات الإنذار معلناَ بسذاجة تعبوية بداية حرب عالمية ثالثة ستجر إليها قوى أخرى ستقف مع الإيراني وأخرى تقف مع الأميركي ليدخل العالم في حرب نهليستية تذكر بالحربين العالميتين بداية القرن الماضي.

عندنا في المنطقة، لا شك بأنَّ شارعاً مترامي الأطراف على امتداد بلدان الشرق الأوسط مغتبط جداً وسعيد بنهاية أحد أعتى مجرمي الحروب في العقدين الأخيرين في الشرق الأوسط. سيقابله طبعاً شارع مقابل محبط وغاضب وخائف ينتظر رد فعل إيران المضاد بل ويتمناه وربما يدعو علانية إليه. القراءة السياسية الجيواستراتيجية للحدث الأخير يجب أن تبتعد عن ردي الفعل السابقين بعطفيتهما وسيكولوجيتهما وأن تقرأه في سياق استراتيجي عملياتي منطلق من المعطيات الأخيرة التي شهدتها الساحة والتي يمكن للمراقب أن يجمعها من بعض الأحداث التي جرت مؤخراً.

لننتبه إلى أنَّ عملية التصفية الأخيرة جرت في أعقاب إعلان البيت الأبيض بإعادة تطبيق العقوبات الأقتصادية على إيران من جديد، مما لا يعني فقط نعي تام ونهائي للاتفاق النووي، بل وقطع خطوط الإمداد الإقتصادية والمالية بالكامل على النظام الإيراني. هذا يعني أن البيت الأبيض مضى إلى المدى الأقصى في تضييق الخناق على الإيراني وأفهمه بأن الجالس في البيت الأبيض سيقوم بالهجوم أكثر فأكثر كلما تعرض للتضييق والهجوم عليه في الداخل الأميركي، وأن الإيراني يستعجل جداً بلعب أوراقه الانقلابية والتخريبية في العراق ولبنان والخليج واليمن مراهناً على تعرض ترامب للعزل وربما خسارته للانتخابات الأميركية نهاية العام الجديد. أراد البيت الأبيض الرد على هذا الاندفاع الإيراني برسالة قوية جداً وحاسمة تقول للإيراني أنه استعجل جداً في رهانه وأن في عجلته ندامة كبرى.

من جهة أخرى، لننتبه أيضاً بأن الرئيس الإيراني روحاني، وفي أعقاب توقيع ترامب على إعادة العقوبات على إيران، سمى بلا مواربة طبيعة الصراع الذي دخلته إيران مع أميركا في ضوء هذه الخطوة حين قال "نتعرض لحرب اقتصادية من أميركا"؛ هذا يعني أن الطرفان يعلمان تماماً أنهما لن يدخلا في حرب عسكرية مع بعضهما البعض وأن الأميركي مازال غير راغب بإسقاط النظام في إيران بالقوة العسكرية أو حتى السياسية. إلا أنه مزمع على خنق نظام الملالي بحرب اقتصادية إفقارية تدفعه للتصدع من الداخل ما لم يقبل هذا الأخير بالجلوس على طاولة مفاوضات حاسمة ونهائية تعيد تشكيل المنطقة جيواستراتيجياً. قال لنا روحاني أن إيران فهمت الرسالة وتعلم حجم وطبيعة الصراع المسموح به. ولننتبه أيضاً أن الرئيس الإيراني أضاف في نفس الخطاب: "نستطيع نحن وأميركا أن نجلس ونتفاهم على كل شيء وجهاً لوجه بدون وسطاء أو أطراف ثالثة إن أرادت أميركا ذلك، ونحن ندعوا له". بهذا يقول روحاني أن الإيراني فهم الرسالة وأنه يعلم ما هو المطلوب وأنه بات على استعداد للقيام به حين ترغب أميركا بذلك.

والسؤال هنا: ما علاقة كل هذا بمقتل سليماني وقادة آخرين في العملية الأخيرة؟ إن صحت الأخبار عن الشخصيات التي اغتيلت في العملية المبهرة مع سلمياني فهذا يعني أن إيران خسرت رموزاً قيادية من أهم قادة مليشياتها المرتزقة القتالية في أهم ساحات عملياتها: المهندس في العراق، وقاسم في لبنان وطبعاً سليماني الرأس المدبر. ولكن ماذا لو كانت إيران هي نفسها قد استسلمت للضغط الأميركي وعبرت عن انصياعها لظروف التفاوض التي يفرضها واذعنت لعملية التضحية بتلك الأدوات القتالية (في النهاية هم مجرد بيادق قيمتهم لا تتجاوز دورهم العملياتي العسكري والأمني المطلوب منهم) كي تقول لأميركا أنا مستعدة للجلوس والتفاوض والتعاون في إعادة تشكيل وهيكلة ملفات المنطقة وأدواري فيها. ماذا لو كان هذا الإذعان للقرار الأميركي بتنفيذ عملية على هذا المستوى رسالة حسن نية وصدق نوايا ترسله إيران لتنقذ رأس النظام الإيراني وتحميه برمته من إنهيار من داخله بسبب الحرب الاقتصادية. قد نشهد في الأيام القادمة عملية إيرانية انتقامية ما، ولكن لن تكون تلك العملية سوى رسالة حسن نية وتنازل شكلي ترسلها أمريكا لإيران كتعبير عن إيجابيتها ورغبتها بالجلوس إلى طاولة التفاوض تخرج بنتائج مرضية. في المحصلة، لا يعني أميركا ترامب لا سليماني ولا حتى خامنئي ولا حتى إيران وما تفعله في المنطقة إلا بقدر ما يؤثر هذا على حالة الرئيس وحكمه في الداخل الأميركي. وإذا كانت إيران مستعدة لتقديم أوراق نجاح وإنجاز لترامب مقابل أنقاذها من الانهيار الكامل وتهاوي النظام من داخله، فلم لا تبلع إيران إهانة ومذلة اغيتال أهم قيادات قواتها المرتزقة العاملة في المنطقة.

علينا أن نراقب الأيام القادمة لنشهد كيف سينتهي مآل تلك الكباشات بجلوس مأمول لكلا الطرفين إلى طاولة مفاوضات نهائية تعيد ترتيب الأدوار وتوزيعها وتشكيل الملفات ومضامينها في مطلع العقد الجديد الذي ندخله. بالنسبة لكثيرن جداً منا في المشرق العربي، مضى مجرم عتيد وأتباعه القتلة إلى مرحاض التاريخ وربما في هذا شيء من التعزية لأهالي وأحباء وأولاد وعائلات مئات الألوف من الأبرياء الذي سُفكَت دمائهم على امتداد ساحات المنطقة الشعبية على أيدي مرتزقة وقتلة وسفاحي الجنرال المذكور وأزلامه. التاريخ لا ينسى ولا يعبر كالخراف الشاردة بلا هداً. التاريخ هو الذاكرة والمصير الذي لا يرحم ولا ينسى على الإطلاق


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نجيب جورج عوض

نجيب جورج عوض

أستاذ جامعي وشاعر وكاتب من سوريا