آخر تحديث:13:09(بيروت)
الأحد 22/09/2019
share

حول انتخابات تونس.. عكس التيار!

موفق نيربية | الأحد 22/09/2019
شارك المقال :
حول انتخابات تونس.. عكس التيار! Getty ©
كانت نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية التونسية، الأحد الماضي، مخيبةً للكثيرين، ولعلّ ذلك قد كان عقوبة للأطراف السياسية المنظمة هناك، والتي أعطت مثالاً غير مقنع عن جدوى عملها السياسي وتمثيلها للناس. وحتى الذين شاركوا في التصويت أيضاً، قالوا لتلك الأحزاب "كفى" بشكل غير مباشر، واختاروا في مقدمة خياراتهم مرشحَين لخوض الدورة الثانية، يعبر اختيارهما عن الموقف ذاته. ربما كان هذا خيار شمشون في النتيجة، لا نستطيع التأكد من ذلك مسبقاً وبشكلٍ حاسم!

المتقدم بين الفائزين هو قيس سعيّد، الأستاذ الجامعي في القانون الدستوري، الذي يؤكد على استقلاليته بشكل لافت، يصل إلى الفردية، وهذا بالطبع ليس سيئاً بحدّ ذاته، لو لم يترافق مع شعار مألوف قديم يكرره سعيد في كلامه ومقابلاته: "زمن الحزبية والأحزاب قد انتهى!"، إذ يرتبط هذا الشعار في ذاكرتنا بعبد الناصر ثم القذافي. وهنالك أشياء أخرى أيضاً تذكّر بالأخير في برنامج قيس سعيّد، غير البرنامجي، حيث أنه لم يقدّم برنامجاً بالفعل، لأنه لا يريد تقديم برامج وأحلاماً".

يتلخص ما يريد قيس سعيّد القيام به، في شعاره "الشعب يريد"، وهو يطرح من أجل ذلك رؤية متكاملة حول طريقة تحقيق تلك الإرادة. يبتكر "تأسيساً جديداً مختلفاً"، يعيد فيه تشكيل وتجسيد ما يريده الناس، ابتداءً من البناء القاعدي في مجالس محلية، يكون من يُنتخب إليها أفراداً، تتم تزكيتهم من قبل عدد من الناخبين، على أساس برنامج يتقدم به ذلك الفرد المرشح، يختص المجلس بوضع خطته للتنمية المحلية. ويختار ممثله أو ممثليه إلى المستوى الجهوي في الولايات عن طريق القرعة، وبالتداول، لمنع الفساد وسدّ الأبواب عليه. الأهم في هذا البناء المقترح هو أن تكون "الوكالة" قابلة للسحب في أي وقت، تحقيقاً لخيار الشعب وإرادته.

بذلك يحقق قيس سعيّد خطته في تغيير آلية تحقيق الشعب لإرادته، التي ستتجسد في ما بعد في خيارات ملموسة وخطط وبرامج، يمتنع هو شخصياً عن تقديمها حالياً، حتى لا يصادر على الشعب إرادته المشار إليها. إنه يحقق "فكراً ومفاهيم جديدة مختلفة عما جرى وضعه في القرون الماضية"، وببلاغة وفصاحةٍ وبيانٍ عربيٍ متميز.

أما المرشح الفائز الثاني، نبيل القروي، فهو رجل أعمالٍ ناجح وإشكالي، حجزته قضبان السجن عن المشاركة المباشرة في الحملة الانتخابية، ورغم ذلك حقق نسبة متميزة من الأصوات أيضاً، ساعدته عليها ماكينته الانتخابية المتطورة، ووجوده القوي في عالم الإعلام والإعلان، وتواصله منذ 2016، مع المناطق الأشد حرماناً في البلاد وتقديم خدمات أساسية وطبية للناس، وكذلك شبكة سابقة من العلاقات ضمن المؤسسة الرسمية، التي كان له دور فيها منذ ترويج أدواته الإعلامية عام 2014 لترشيح الباجي قايد السبسي للرئاسة، ثم انتخابه إليها. لافت أنه كانت له صدامات مع الإسلاميين و"حركة النهضة" في قصص معروفة أيضاً. وفي المقابل كان من شخصيات حزب "نداء تونس" القوي وراء الرئيس، الذي وقف- القروي- إلى جانبه وجانب ابنه في الصراع مع رئيس الحكومة. في ما بعد، أسس القروي حزب "قلب تونس" الذي دعم ماكينته الانتخابية.

يركّز القروي، رجل الأعمال الثريّ، خصوصاً على الفقراء ومحاربة الفقر في خططه وبرامجه، من دون تفصيل كبير، ومن دون تقديم برامج كافية لمرشح لموقع الرئاسة. وفي المقابل يتعرض لحملات قوية تتهمه بالشعبوية وباستخدام الأعمال الخيرية للترويج السياسي، وكذلك باستخدامه للزبائنية وتقديم الوعود الاستثمارية أيضاً. يركز الإسلاميون أيضاً على اتهامه بالتهرب الضريبي، وهي التهمة الأكثر نفعاً من الناحية القانونية، كما ظهر عملياً.

في الحقيقة، تذكّر خطة تجسيد إرادة الشعب لدى المرشح الأول بالكتاب الأخضر للقذافي في جزئه الأول "الديموقراطية"، التي أعلن على أساسه "قيام سلطة الشعب"، وكذلك انتخاب "المؤتمرات الشعبية" ومن ثم "اللجان الشعبية"، وصولاً إلى "المؤتمر الشعبي العام" الذي هو بطبيعة الحال "مؤتمر قومي" ينتقل من إرادة الشعب إلى إرادة الأمة. وكما كان يقول النظام الليبي السابق إن ذلك كان هو "النظرية الثالثة" غير المسبوقة، يقول الدكتور قيس سعيّد إننا بالتحوّل الذي نشهده قد "دخلنا في مرحلة جديدة في التاريخ".

ولا تذكّر كذلك طروحات المرشح السجين والسجل الشخصي له بظاهرة برلسكوني في إيطاليا وحسب، بل أيضاً- وللمفارقة- بالجزء الثاني من "الكتاب الأخضر"، الذي اعتنى بتصوراته عن اشتراكية جديدة تكون فيها العلاقة بين أرباب العمل والعمال كشركاء لا أجراء، بحيث يمكن تحويل الأموال مباشرة من المصرف إلى المواطنين بأمر القائد من دون وساطة في بعض الأوقات، وقد حدث ذلك مراراً!

يؤكد الدكتور سعيّد أن ما يطرحه يلاقي تغييرات في العالم بهذا الاتجاه، وهو محقٌّ خصوصاً في ذلك. فقد جاءت نتائج الدورة الأولى بفائزيها معاً بشعبوية يطفح بها العالم حالياً، بل ويحكم في عدد من الدول الأكثر أهمية كالهند والولايات المتحدة وإندونيسيا والبرازيل وربما في بريطانيا أيضاً، إضافةً إلى ظواهر من مثل أوربان في هنغاريا وسالفيني في إيطاليا. ويجمع الشعبويون على نقطتين تنعكس ظلالهما بقوة في تونس الآن: أولاهما الموقف من "النخب"  السياسية، خصوصاً تلك التي تعمل بقواها المنظمة التقليدية ضد مصالح "الشعب الحقيقي"، وكذلك بيانات القادة الشعبويين التي تؤكد أنهم وحدهم يمثلون هذا "الشعب الحقيقي". إنه العداء للمؤسسة التقليدية، وللأحزاب السياسية، وللدولة العميقة، وللأجانب، والتقرّب من الشباب والفقراء والمهمشين، والتمسك بالمقدس والثوابت من جهة، أو الانفلات تماماً منهما من جهة أخرى.

ليس من الضروري أن يتحقق كلّ هذا التطيّر في تونس، بل ليس من الضروري أبداً ألّا يتكشف المرشحان أو الفائز منهما عن حصان يحقق معجزة الخروج من شبكة العنكبوت الحالية من دون خسائر ولا روح مغامرة تقفز في المجهول ببلدٍ عانى ما عانته تونس في تاريخها وثورتها وعقدها الأخير.. ولكنّ الشيء بالشيء يُذكر!

وفي النتيجة، أولاً: تستحق النخب السياسية، بإسلامييها وعلمانييها، بديموقراطييها ومن يلتف منهم على الديموقراطية من خلال تأكيده على "آليات ديموقراطية" وحسب، كما يصر الإخوان وربعهم، لا تزيد عن تلك الآليات التي عايشناها ولا نزال في إيران. وثانياً: نحتاج إلى بديل للسائد والحالة السائدة بالتأكيد، أكثر تنظيماً وعلاقةً مع الناس والسياسة، وأكثر تجديداً وحداثةً أيضاً، ولكن، ليس على هذا الحال والمآل غالباً.. وعسى خيراً!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها