آخر تحديث:12:38(بيروت)
السبت 14/09/2019
share

دمشق: جمهورية المزة 86 والثقة المهزوزة بـ"الدولة"!

خليل إبراهيم | السبت 14/09/2019
شارك المقال :
دمشق: جمهورية المزة 86 والثقة المهزوزة بـ"الدولة"! (انترنت)
"الموت هو الحديث الأكثر تداولاً بين سكان الـ86"، يقول زياد، أحد سكان الحي ذي الأغلبية العلوية في دمشق. وهذا أمر طبيعي، إذ أن كثيراً من سكان الحي يعملون في الجيش والأمن وفي المليشيات الموالية، وتثار حوله الكثير من الروايات، رافقت تحوله إلى مركز للتشبيح وتجارة التعفيش، رغم الفقر الهائل الذي يسيطر على حياة سكانه.

المزة جبل 86

مرويات الأهالي تقول إن بداية "المزة جبل 86" كانت مع رفعت الأسد الذي أقام ثكنة لـ"سرايا الدفاع" على تلة مجاورة لجبل قاسيون، وسمح ببناء بعض المساكن لبعض ضباطه وعساكره الذين استقدموا عوائلهم في ما بعد. ثم بدأ الأمر يتوسع ولم يتوقف حتى بعد إلغاء "سرايا الدفاع" وخروج رفعت من سوريا، ليصبح الحي أمراً واقعاً. وسكان "المزة جبل 86" من الساحل السوري، ثم يأتي بالدرجة الثانية وافدون من بعض أرياف حمص وحماة ومصياف.

ويعني ذلك أن معظم الساكنين هم من لون اجتماعي واحد، أي من العلويين، ممن لا زالوا يشكلون الأكثرية فيه. كما يوجد أيضاً مرشديون، ممن كانوا في "سرايا الدفاع" أو استقروا في الحي لاحقاً.

إلا أن مهنة واحدة ظلت سائدة لدى سكان الحي، حتى التسعينيات على الأقل، فمعظم القاطنين يعملون إما في الجيش أو في المخابرات، وبدرجة أقل في الشرطة. الحي انفتح نسبياً على سكان جدد من خلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة، منذ العام 2000، من موظفين وعمال في القطاع العام، إضافة إلى طلاب جامعة دمشق القريبة.

الفقر المدقع

يقول زياد: "الناس هنا كانوا فقراء ولا يزال معظمهم كذلك، وهذا يعني أن الحرب طحنتهم أكثر سواء عبر الموت الذي لحق بأبنائهم، أو عبر غلاء المعيشة الذي أصبح كابوساً جديدا لهم".

ريم وزوجها كانا من أوائل الوافدين. تقول ريم لـ"المدن": "كان قرارا صعبا بالنسبة لكلينا، كنا نخاف هذا الحي! لم يكن خوفنا من السكان أو لأننا من بيئة اجتماعية مختلفة تماما، بل لأن علائم الفقر والفوضى في هذا المكان كانت مقلقة لي أنا خصوصاً. وأذكر أنني زلقت ووقعت في المرة الأولى التي جئنا فيها إلى هنا لكي نرى البيت الذي سيصبح بيتنا!".

وتشير ريم إلى أنه "في السنوات العشر الأخيرة قبل 2011، بدأ بعض التنوع السكاني يظهر في الحي من خلال وافدين جدد، كان معظمهم على ما أعتقد من المنطقة الشرقية ومن الأكراد، لكن بعد 2011، بدأ هذا التنوع يتناقص بسبب الخوف مما سيحدث للحي إذا تغير النظام في سورية، العديد غادروا إلى بلداتهم الأصلية أو انتقلوا إلى أماكن أخرى".

الطائفية

يقول سامر، أحد السكان: "في بداية الاحتجاجات، وصل إلى مسامع الناس ما كانت تتداوله بعض صفحات المعارضة ومواقعها حول أن ملكية الـ86 تعود لأهالي المزة الأصليين، بل إن بعض المواقع بشرت بأن حقهم سيعود إليهم بعد اسقاط النظام وطرد الدخلاء الذين يقطنون في هذا الحي". الموضوع أثار قلقاً واسعاً، وشعر كثيرون بأنهم مستهدفون. ويستذكر سامر أحد البائعين في المزة 86، الذي كان يتكلم مع جيرانه قائلاً: "ماذا يريد هؤلاء؟ بلدنا حلوة وآمنة لماذا يريدون خرابها؟ جميعهم يعيشون أفضل من عيشتنا، بيوتهم أفضل وحياتهم ميسرة ومع ذلك يريدون أن يطردوننا من هذه الخرابة التي نعيش فيها؟ نحن هنا منذ خمسين سنة وهنا أصبحت حياتنا وبيوتنا وعملنا وعمل أولادنا. لماذا يستهدفوننا؟ لأننا فقراء أو لأننا علويون؟".

الموت

جمال هو أخ لأحد القتلى، يقول: "كان أخي شاباً خدوماً ولطيفاً لكنه كان أيضا سريع الغضب والحماس في بعض المواقف. تخرج من أحد المعاهد المتوسطة وفشل في أن يجد وظيفة لذلك أصبح يعمل في محل لبيع الالكترونيات. عندما تزوج، أعطاه أبي غرفة في بيتنا الذي كان يضيق علينا أصلاً، وأنجب ولدين في البيت نفسه أيضاً".

وقرر الأخ الانتساب لإحدى مليشيات النظام، وسرعان ما جاء خبر مقتله.

يكمل جمال قائلاً: "حاول أبي بعد ذلك أن يسير بأوراق أخي في الدولة، أي باعتباره شهيداً، وذلك لتحصيل ما يمكن من أجل زوجته وأولاده، خصوصاً أن أحوالنا المادية ليست جيدة، ولكن إتمام هذا الأمر استهلك من أبي الكثير من الوقت والجهد، وهو رجل كبير. أذكر أنني ذات يوم سألته بعد عودته إلى البيت إذا كانت الأمور على ما يرام؟ فأجابني بأن الشهداء مراتب، يوجد شهيد ابن بيك وشهيد ابن فلاح، وأخوك ابن فلاح! فعلا كان على وشك البكاء!".

الدولة تدير ظهرها لنا!

واقع الحي على صعيد الخدمات والبنية التحتية سيء جداً. يقول أبو سامر: "يعتقد الكثير من الناس هنا أنهم وقفوا مع الدولة ولم يتخلوا عنها في أحلك ظروفها، لكنهم عندما يقصدونها لكي تقوم بواجباتها إزاءهم تدير لهم ظهرها. واقع حياة الناس في الحي سيء! منذ أن أتيت وسكنت في هذا الحي، أي منذ أكثر من 25 سنة، لم ألحظ أي تغيير نستطيع فعلا أن نشير إلى كونه تغييراً. حتى هذا اليوم تجد طرقات بدائية شقتها أرجل الناس التي تعيش في الجبل، وهناك أماكن لا تستطيع وسائل النقل أن تصل إليها، ولا زالت سواقي المياه التي تجري في الأرض والناس يتقافزون فوقها أثناء ذهابهم إلى عملهم أو مدارسهم، وبعضها قد لا تكون مياها نظيفة. شكاوى عديدة قدمت ولا من مجيب".

جمهورية الـ86

أبو عيسى من سكان الحي، يضيف قائلاً: "لدينا مختار كأنه رئيس جمهورية، جمهورية الـ86! يبدو أن المخترة ستذهب إليه إلى الأبد، وقد يقوم بتوريثها والله أعلم! كما أن لديه مرافقة. لدينا الكثير من المشاكل المتعلقة بالخدمات، ولم نترك طريقة لإيصال صوتنا لكن عبث. الطرق بحاجة إلى تعبيد، وهناك مشكلات الصرف الصحي، لكن الأخطر هو إيجاد حل للمشاكل التي ظهرت مؤخرا والتي تتعلق بطبيعة الأرض التي بنيت عليها البيوت والتي شهدت انهيارات متعددة، هناك بيوت مهددة بالانهيار فوق رؤوس ساكنيها، لقد هدمت العديد من البيوت بسبب طبيعة الأرض، والخطر لا يزال قائماً".

يشير زياد إلى ما يسميه "مفارقة غريبة" بين نسبة لا بأس بها من أهل الحي، يقول: "هذه الدولة التي أعطاها الناس ولاءهم ودافعوا عنها من ناحية، تجد أن العديد منهم لم يعد يثق بها من ناحية أخرى، وطبعا الدولة هي ما تحت الرئيس فهو خارج المجال الذي نتكلم عنه".

مخطط تنظيمي جديد

وضعت محافظة دمشق، في تشرين الثاني 2018، خطة لإعداد مخططات تنظيمية جديدة لكافة مناطق المخالفات في مدينة دمشق، بحيث يتم انجاز المصور التخطيطي لمنطقة المزة 86 بين 2022-2023.

ويقول زياد: "منذ سنوات يقرأ الناس ويتداولون أخباراً عن مخططات تنظيمية للحي ولغيره من العشوائيات، وتم تداول الكثير من الأخبار المتضاربة عن كيفية هذا التنظيم وعن مصير السكان الذين يسكنون في الحي والعشوائيات عموماً، وحتى الآن فإن ماهية هذا التنظيم غير واضحة مما أثار قلق الكثيرين لاسيما وأن الأمر يتعلق بما هو حميم وأساسي والوحيد الذي يملكونه وقاتلوا من أجله، أي بيوتهم. فمرة يتسرب خبر أنه لن يتم تعويضهم عن ممتلكاتهم من أراض وبيوت، ومرة أن السكن البديل حين بدء التنظيم سيكون في مراكز إيواء أو غرفة لكل العائلة في مكان ما أو سكن مأجور، وهناك أخبار معاكسة بوجود تعويض وسكن بديل لائق. ولأجل هذا وغيره، فإن الثقة أصبحت مهزوزة بالدولة عند الكثيرين من سكان الحي".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب