آخر تحديث:13:14(بيروت)
الأحد 18/08/2019
share

داعش "يتمدد" في مخيم الهول:خلافة ثانية

ريم جبر | الأحد 18/08/2019
شارك المقال :
داعش "يتمدد" في مخيم الهول:خلافة ثانية Getty ©
لعل مخيم "الهول" في سوريا صار اسماً على مسمى، ففي رحابه تدور أهوال كثيرة. وتناول المعلق في "واشنطن بوست" الاميركية، جوش روجن، قبل أيام سيطرة داعش على المخيم الضخم شمال شرق سوريا، في وقت لا تعد الولايات المتحدة وأوروبا العدة لمعالجة الازمة. فنحو 70 ألف شخص يعيشون هناك، أكثر من 50 ألفاً منهم من الأطفال. وإثر سقوط الرقة، وإلحاق التحالف الدولي الهزيمة بعاصمة التنظيم، أعلن دونالد ترمب أن "خلافة داعش" دُمرت مئة في المئة أو عن "بكرة أبيها" كما يقال. ولكن عشرات الآلاف من مقاتلي داعش وأفراد أسرهم جمعوا في مخيم ضخم مسوّر بالبوابات تتولى ادارته قوات سوريا الديموقراطية الكردية، "قسد". 

وكانت المساعدات الانسانية شحيحة، والأمن أو الإشراف على المساجين غير محكم. وإلى جانب هذا المخيم "المدني"، فنزلاؤه من النساء والأطفال، ثمة شبكة سجون مرتجلة أودع فيها أكثر من ألفي مقاتل داعشي. وتفتقر قوات سوريا الديموقراطية إلى موارد مالية وبشرية كافية لادارة المخيم والسجن، ودول التحالف الدولي، على رأسهم أميركا، تُعد للانسحاب أو التخفف من أعباء حربها على التنظيم وما نجم عنها. 

وتتبع مراسل "لوموند" الفرنسية آلان كافال رحلات فرنسيين في عقدهم السادس، وبعضهم في عقدهم السابع، إلى مخيمي الهول وروج بحثاً عن أحفاد، ولد بعضهم هناك ويعيش في الأسر، وبعض آخر ولد في فرنسا. وبعض الجدات والأجداد عادوا على أعقابهم من دون لقاء الأحفاد والكنة الفرنسية التي رافقت ابنهم الى أرض "الخلافة" بعد إيهام الأهل والأصدقاء أنها والزوج والأولاد ذاهبون في رحلة سياحية إلى بلد أوروبي أو إلى تركيا. ويدور كلام بعض الراغبين في اصطحاب أحفادهم معهم إلى فرنسا على تواطؤ كردي- فرنسي على إحباط مساعيهم.

والعلاقات بين الآباء وبين الأبناء العاقين الداعشيين شائكة. ففي بريطانيا، نقلت الصحافة قصص بعض الآباء الذين لبّوا استغاثة الأبناء طلباً لمساعدة مالية، وأرسلوا لهم مبالغ مالية عبر شركات تحويل الأموال. ولكن الشرطة البريطانية رصدت الحوالات، وجمدتها، وحالت دون بلوغها أرض "الخلافة" قبل انهيارها، ثم إدعت على الأهل بتهمة تمويل داعش. وفي بعض الحالات ثبتت براءة الآباء أمام المحاكم البريطانية الذين أرادوا فحسب مد اليد للابن وليس تمويل داعش.

مخيم داعشي وعمليات إعدام
كفة داعش في مخيم الهول، وهو أضخم مخيم نازحين، ترجح على كفة عشرات قليلة من حراس "قسد" المرابطين هناك. وهذه خلاصة توصل إليها مسؤولون أميركيون. والداعشيات تولين إنشاء "شرطة أخلاق" في المخيم، أي نوع من جهاز حسبة. وفرض الجهاز هذا النسخة الداعشية من الشريعة، ونفذ عمليات تعذيب وإعدام. وداعش ينشط في المخيم، ويجنّد عناصر تابعة له، ويهرّب المقاتلين منه وإليه، ويتخذه مركزَ تخطيط هجمات في أنحاء سوريا. ويخلص مسؤولون أميركيون إلى أن النسخة الجديدة من داعش ربما لم تبصر النور بَعد، ولكن الأمر لن يطول قبل بروزها. 

"خلافة مصغرة"
يرى السناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام أن "الهول" يتحول بوتيرة سريعة الى "خلافة مصغرة". فالاجراءات الأمنية المحيطة بهذا المخيم لا يعتد بها، وأسرّ الى معلق واشنطن بوست أن أشباه داعش يديرون المخيم على مرأى من الاميركيين أو "تحت أنفهم" على ما يقال.

ويتحدر نحو 11 ألف نسمة من مجمل السبعين ألف إمرأة وطفل في "الهول" من خارج العراق وسوريا، وعدد كبير من بلادهم يرفض استعادتهم ويتركهم هناك فريسة البؤس في تربة خصبة لتجنيد داعشيين مستقبليين. واستعادت الولايات المتحدة 21 داعشياً من مخيمات النازحين، وتلاحق كل الذين سافروا الى سوريا في سن الرشد ولا تسائل الأطفال الذين لم يملكوا الخيار. وعلى خلاف واشنطن، شطر راجح من الدول الاوربية رفض استقبال الداعشيين وأسرهم، وبعضهم سحب الجنسية من "مواطنيه" السابقين. وهذه سياسة عواقبها خطيرة، وتجاهل ما يجري في "الهول" يهدد أمن أوروبا وأميركا. 

موقف الاوروبيين أغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهدد بإطلاق سراح آلاف المقاتلين الداعشيين ليتوجهوا إلى أوروبا. وهذا أقرب إلى المزاح، فهو لن يفعل ذلك. ولكن في كل الأحوال، سينتهي الأمر بهؤلاء إلى القارة القديمة. ويقول مسؤولون أميركيون أن بعض "نزلاء" مخيم "الهول" بدأوا بالظهور في أماكن مختلفة من سوريا وتركيا. وأشار تقرير صدر أخيراً عن وزارة الدفاع الأميركية إلى أن تنظيم داعش ناشط في تجنيد مقاتلين في مخيم "الهول". ونبّه إلى أن قوات سوريا الديموقراطية عاجزة عن تقديم أكثر من بعض الاجراءات الامنية السطحة في المخيم، ما أدى إلى انتشار ايديولوجية داعش هناك. 

ومساعي سحب القوات الاميركية من شمال شرق سوريا فاقمت الازمة الأمنية والانسانية في "الهول". فسياسة إدارة ترمب في سوريا ملتبسة وغامضة المعالم. فالمسؤولون في إدارته لا يخفاهم أن الرئيس قد ينسحب في أي لحظة. وهذا الغموض يقوض الدور الاميركي الريادي في معالجة هذه الازمة. ويدعو شارلز ليستر، مدير مركز مكافحة الارهاب في معهد الشرق الاوسط بواشطن، الادارة الاميركية إلى الكف عن التلميح إلى المسألة فحسب من دون التصدي لها، فمكافحة  تنظيم داعش المنبعث تقتضي احتساب واقع الامور، ولو كانت مريرة وعسيرة.

واستناداً الى الامم المتحدة، 65 في المئة من المعتقلين في "الهول" في سن الثانية عشرة، و20 ألفاً من نزلائه في سن تحت الخامسة، فهم ولدوا في عهد "الخلافة" الاول. وإذا لم يحل الغرب دون ذلك، شبّ هؤلاء الأطفال في عهد "الخلافة" الثانية. ويدق روجن في ختام مقاله ناقوسَ الخطر قائلاً لإن الأميركيين سيضطرون إلى ارسال أولادهم من جديد إلى سوريا لمكافحة التنظيم. وعلى المجتمع الدولي التوصل إلى آليات تضمن بقاء مقاتلي داعش الأشداء وراء القضبان، وتقطع الطريق أمام إدارة عملياتهم من المخيم. 

وكان الكلام على بزوغ عهد داعشي جديد بدأ يدور في الصحافة الغربية إثر سلسلة من الهجمات وقعت في سريلانكا والفيليبين وأندونيسيا. ولكن بلفير سينغ، الباحث في جامعة سنغافورة، لاحظ أن مسارح عمليات تنظيم "الدولة الاسلامية" ليست جديدة في جنوب آسيا وجنوب شرقها. فالتنظيم ورث من "القاعدة" بعد أن انشق عنها، ولاء مقاتليها في مناطق شاسعة في آسيا. ولا يتصدر جنوب آسيا وجنوب شرقها أولوياته، ولكنه يقتنص الفرص ما إن تسنح.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها