آخر تحديث:09:09(بيروت)
الأربعاء 14/08/2019
share

هرمز: تعاون أم تنافس بين الصين وأميركا؟

ريم جبر | الأربعاء 14/08/2019
شارك المقال :
هرمز: تعاون أم تنافس بين الصين وأميركا؟ Getty ©

لا يزال مضيق هرمز شاغل المحللين والقوى الكبرى في العالم. فهو مسرح تحالفات عسكرية مرتقبة لحماية حركة الملاحة فيه. وآخر العازمين على تلبية دعوة واشنطن الى تحالف دولي هناك هي الصين. وكان وزير الدفاع الاميركي وجه دعوة إلى اليابان "وإلى كل أمة ترى مصلحة في حماية حرية الملاحة الدولية" لتنضم الى التحالف الدولي. وكانت هذه الدعوة لقيت ردوداً متباينة من حلفاء الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثل رحبت المملكة المتحدة بها، في وقت رفضت ألمانيا تلبيتها.

ولكن خيوط المسألة بالغة التعقيد. فصحيفة "جابان تايمز" نقلت عن وزير الدفاع الاميركي انتقاده الصين جراء "زعزعة أمن المحيط الهندي... واستراتيجيتها العسكرية العدائية وسياساتها الاقتصادية الجائرة التي تنتهك النظام الدولي وركنه الأبرز هو القانون".

والتصريحات الاميركية هذه عن الصين الاسبوع الماضي، صدرت بعد يوم على تصنيف واشنطن بكين قوةً متلاعبة بعملتها، وتصعيدها النزاع الجمركي معها، وقوامه فرض تعريفات جمركية متبادلة. ولكن إثر إعلان موسكو وطهران عن مناورات عسكرية مشتركة في المحيط الهندي تشمل مضيق هرمز، سارعت واشنطن إلى دعوة بكين الى التحالف الدولي لحماية الملاحة الدولية في هرمز.

وكانت "ناشينل إنتريست" الاميركية أدرجت الخطوة الايرانية- الروسية  في سياق تعاظم التوترات العسكرية والديبلوماسية بين واشنطن وطهران، ورغبة الاخيرة في تعزيز مرابطتها في الخليج بمساعدة روسيا. وكانت وكالة تاس الروسية نقلت خبر المناورات العسكرية البحرية المشتركة بين روسيا وإيران في نهاية الشهر الماضي. وأكد الأدميرال الايراني حسين خانزادي الخبر، وقال أن المناورات هي رد على مزاعم واشنطن والمملكة المتحدة أن الملاحة في مضيق هرمز غير آمنة في وقت أن الوضع في الخليج مستقر وهادئ. ولكنهما جعلتا الملاحة هناك غير آمنة. وعلى رغم اعلان خانزادي أن التفاهم الروسي – الايراني على اجراء المناورات هو الاول من نوعه، تذكِّر ناشينل إنتريست أن المناورات هذه هي الثالثة من نوعها- وسبقتها مناوراتان الاولى في 2015 والثانية في 2017 في بحر قزوين، على خلاف المناورات المرتقبة في هرمز حيث صادرت إيران ناقلة نفط. وهي حوادث أججت النزاع بين واشنطن وطهران. وفي 2015، أعطت المناورات الروسية - الايرانية الاولوية لتعزيز قدرات المراكب الايرانية، في وقت ركزت مناورات 2017 على أنشطة مختلفة من تكتيكات الكوموندوس إلى صواريخ أرض – بحر. ولم يستبعد الباحث مارك إبيسكوبوس في الموقع نفسه، أن تشمل المناورات المقبلة مشاركة الغواصات الصغيرة الايرانية. ففي وقت لا يزال شطر راجح من سلاح الجو الايراني ودفاعاته سوفياتياً وروسياً، فإن عتاد إيران البحري العسكري محلي الصنع. وعلى رغم التقاء مصالح موسكو وطهران في الحرب السورية الاهلية، ساهمت عوامل تقنية وسياسية في بروز تباين حمل روسيا على الامتناع عن تصدير معدات عسكرية ثقيلة، تحديداً منظمة "اس 400 " الصاروخية ومقاتلات "سو-30"، إلى إيران.

ويتزامن الاعلان الروسي- الايراني مع دعوة الكرملين الصين إلى تدابير أمنية مشتركة في الخليج لطرد القوات العسكرية والاميركية من المنطقة.

ولكن إثر اعلان الصين احتمال مشاركتها في التحالف الاميركي – الدولي، سارعت صحيفة "فزغلياد" الروسية الى استنتاج أن الولايات المتحدة ستندم على إشراك الصين في أمن الخليج وكأنها "تدخل الدب إلى كرمها" على قول المثل. فبكين أنشأت أول قاعدة بحرية صينية خارجية في جيبوتي في القرن الافريقي. ويرى بعض المراقبين الروس المتفائلين أن السفن الحربية الصينية ستظهر قريباً قبالة سواحل إيران ودول الخليج. فالصين عازمة على الارتقاء الى قوة عسكرية دولية وكبرى.  ولكن بعضهم الآخر يرى أن بكين أقدمت على خدعة ديبلوماسية، ولن يطول الأمر قبل أن تعلن أن الاقتراح الاميركي لا يناسبها. والحق أن ما تقدم يُغفل أن البحرية الصينية لا تضاهي القوة البحرية الاميركية. ففي وقت تملك الولايات المتحدة 105 حاملات طائرات أو مدمرات، يقتصر عدد هذه القطع العسكرية الصينية على 39 قطعة، استناداً إلى موقع نكست بيغ فوتشر الذي يعود الى مدون اسمه براين وانغ يحظى بمتابعة مليون قارئ شهرياً. وفي جعبة أميركا 20 حاملة طائرات، في حين لا تملك الصين إلا اثنتين. ولكن عدد الغواصات الصينية يضاهي عدد نظيرها الاميركي. وتتفوق البحرية الصينية على نظيرها الاميركي في امتلاكها 36 في المئة من السفن التجارية في العالم. وتصنّع الصين عدداً أكبر سنوياً من السفن قياساً الى الولايات المتحدة.

ولكن دعوة أميركا الصين إلى المشاركة في التحالف الدولي في هرمز في وقت تسلط سيف العقوبات على الشركات الصينية جراء شراء النفط الايراني، قد تبدو مفاجئة أو مستهجنة. ولكن في الواقع الكلام على إشراك الصين في حماية نفط الخليج يدور منذ أكثر من عقد في الولايات المتحدة. وأول من بادر إلى مثل هذا الكلام هو مستشار الامن القومي الاميركي الراحل (في أيار 2017)، زبيغنيو بريجنسكي، وهو أشار الى تراجع مصالح أميركا في الشرق الاوسط والخليج، ودعا الى تحميل القوى المحلية الحليفة شطراً من المسؤوليات، وكذلك تحميل القوى "الكبرى" ولو كانت من خصوم أميركا، مسؤولية إدارة الشرق الاوسط. وكتب بريجنسكي في 2012 في "فورين أفيرز" أن التعاون ضروري بين أميركا والصين في إرساء استقرار آسيا وأدرج هذا التعاون في سياق أوسع تهمله اليوم واشنطن. فـ"الاستقرار هذا رهنٌ بإبرام مصالحة فعلية وراسخة بين الصين واليابان، وتهدئة وتيرة التنافس بين الصين والهند وتخفيفها. ويفترض أن تؤدي أميركا دوراً مزدوجاً في التصدي لتحديات كبيرة في شرق أوراسيا وغربها. وقوام الدور المزدوج هذا، إرساء وحدة واسعة في الغرب، ولعب دور القوة الموفِّقة بين القوى الآسيوية البارزة والموازنة بينهما. وهذا الدور هو أيضاً رهنٌ باحياء صدقية أميركا في الخارج، وذلك من طريق إدارة شؤونها الداخلية إدارة ناجعة وإبراز جوانب قوتها المحلية، في مجالات مثل الابتكار والتعليم، والموازنة بين القوة والديبلوماسية، وتقديم نموذج قيادة سياسية نوعية".

وسار على خطى بريجنسيكي نيال فرغسون، المؤرخ الاميركي كاتب سيرة هنري كيسنجر. ولكن هذه الدعوات بدت ضعيفة الصلة بالواقع، على رغم أن تقارير الامن القومي الاميركي درجت منذ 2007 على تسليط الضوء على منعطف بارز: تحول أميركا الى قوة نفطية وغازية بارزة. غير أن هذه الدعوات تجد لها صدى منذ ولايتي باراك أوباما (2009-2017). فإثر تعثر الحربين الاميركيتين في العراق وأفغانستان، برز ميلٌ في الولايات المتحدة إلى النأي عن توجيه دفة العالم، ووصفت الصحافة الاميركية هذا الميل بـ"القيادة من الخلف" في مقاربة الربيع العربي وحملة إطاحة الرئيس الليبي معمر القذافي. وقابل هذا الميل الخارجي ميل في الداخل الاميركي رجحت كفته أكثر فأكثر في تقليص دور الحكومة الاتحادية الجامع بين الولايات. ولكن صوت صقور الجمهوريين في السياسة الخارجية الاميركية لم يخبُ، على رغم أنه لم يعد راجحاً. وخير دليل على ذلك تراجع الرئيس الاميركي دونالد ترمب، عن توجيه ضربة الى إيران ودعواته المتكررة الى الحوار مع طهران. وفي الاحوال كلها، الايام القادمة قد تحمل اليقين عن التعاون الصيني- الاميركي في الخليج. غير أن الوضع مبهم، الى اليوم في وقت ترتسم معالم نظام (عالمي؟) جديد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها