آخر تحديث:12:02(بيروت)
الأحد 28/07/2019
share

العقوبات الأميركية: فرصة لتعزيز قوة الحرس الثوري

ريم جبر | الأحد 28/07/2019
شارك المقال :
العقوبات الأميركية: فرصة لتعزيز قوة الحرس الثوري Getty ©

مطلع الشهر المقبل، آب/أغسطس، حاسم في مآل شد الحبال الأميركي – الايراني. فهو موعد بحث الإدارة الأميركية في أمر الإعفاءات السابقة من العقوبات جزاء شراء النفط الإيراني. وشملت الاعفاءات ثماني دول، وكان أبرز المستفيدين منها تركيا والهند والصين، قبل أن تعلق واشنطن العمل بها في آيار (مايو) المنصرم. وإذا لم تجدد إدارة ترامب الإعفاءات النفطية، يرجح أن تتواصل فصول التوتر في مضيق هرمز. وإذا جددت الإعفاءات، تنفس النظام الإيراني الصعداء، وبوسعه تصدير أكثر من مليون برميل يومياً، وارتخى بعض الشيء سيف العقوبات المسلط على الجمهورية الاسلامية.

وترى غلوبل تايمز الصينية أن الولايات المتحدة وإيران أمام طريق مسدود، فهما لا تريدان الحرب ولكن الطريق الى المفاوضات عسير وشائك. وتستفيد بكين شأن واشنطن من هذه الحال. فأميركا ترتجي فائدة من الخطر الإيراني: رص صفوف الحلفاء في الشرق الأوسط والحفاظ على النفوذ الأميركي في المنطقة. أما إيران، فوقوفها في وجه أميركا واوروبا يعزز قبضة النظام في الداخل ويرص صفوفه ويشتت الانتباه عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة. وعلى رغم غياب رغبتهما في الحرب، تسعى كل من طهران وواشنطن إلى الحفاظ على توازن القوى في الخليج، في وقت تقف المنطق على شفير الخطر.


وإلى اليوم، لا مؤشرات الى تراخي قبضة واشنطن في تنفيذ العقوبات الاقتصادية. فإدارة دونالد ترامب لاحقت قبل أيام في سابقة من نوعها شركة نفط صينية عامة ومديرها بتهمة شراء النفط الايراني وخرق الحظر الأميركي. وترى صحيفة "نيويورك تايمز" أن هذه الخطوة تساهم من جهة، في تفاقم التوتر بين واشنطن وبكين، وهما تخوضان فصول حرب تجارية طويلة الأمد، ومن جهة أخرى، في تأجيج الأزمة في الخليج حيث تدور فصول حوادث عدائية منخفضة الوطيس بين ايران وأميركا.


وفي تقرير أعده مراسل لوفيغارو في طهران، جورج مالبرونو، بعنوان "إيران: كيف يستفيد الحرس الثوري من النزال مع دونالد ترامب"، لاحظ أن العقوبات ساهمت في تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية للباسدران. وهذه الملاحظة قد تبدو رتيبة، فهي تكاد أن تكون لازمة غربية في التعامل مع إيران: الخوف من أن ترجح كفة المتشددين.


وإثر العقوبات الاميركية، سارعت الشركات الأجنبية إلى مغادرة إيران مخافة الرد الاميركي، فوضع الحرس الثوري، الذي أدرجه الرئيس دونالد ترامب في صدارة المنظمات الاجنبية الارهابية، اليد على ورشات مشاريع الشركات الأجنبية. فعلى سبيل المثل، يستأنف مجمع "خاتم الأنبياء" العمل في بئر "جنوب فارس"(ساوث بارس) الذي انسحبت منه شركة توتال الفرنسية العام الماضي. وهو مشروع ضخم لاستخراج الغاز قيمته 5 مليارات دولار. ويضع الحرس كذلك اليد على منشأة تكرير نفط كبير في جنوب غرب البلاد.


ويرى حسين كناني المقدم الحرسي القديم أن الرئيس الاميركي يساعد الباسدران، فهو حليفهم، على قوله. فالعقوبات غير فعالة لا بل هي مفيدة وترتجى منها عوائد ومكاسب. فالحرس اليوم يفوزون بنفوذ أكبر في القطاعين الاقتصادي والعسكري، ودورهم يبرز أكثر فأكثر في جبه الأعداء. والحرس الثوري هو من أسقط طائرة درون مسيرة أميركية الشهر الماضي في الخليج. وأوشكت الولايات المتحدة على الرد قبل أن يتراجع ترامب في اللحظة الاخيرة.

وللحرس الثوري رأسان أولهما ضارب الجذور في الاقتصاد والثاني في الأمن. وله ذراع خارجية، "فيلق القدس". وعناصره يدعمون بشار الاسد في سوريا والميليشيات الشيعية في العراق. ولكن هذا الجهاز غير متجانس. فهو يجمع أجيالاً مختلفة وأصحاب توجهات متباينة بين الخبراء في الشؤون الأمنية وبين رجال الأعمال. واليوم، بعد أربعين عاماً على الثورة، الباسدران على رأس امبراطورية اقتصادية ضخمة. وركن الامبراطورية هذه هو "خاتم الأنبياء"، وهو تكتل اقتصادي قيمة أعماله حوالى 25 مليار يورو، وهو وازن في كبرى مشاريع البنى التحتية وفي قطاع النفط والغاز. وهذا القطاع هو شريان حياة البلد التي يسعى دونالد ترمب إلى خنقه من طريق حظر تصدير نفطه. فـ"الحرس الثوري يتغلغلون في أبرز قطاعات الاقتصاد الايراني ليملأوا خزينتهم..."، على قول سيغال ماندلكر، وكيلة وزارة الخزانة الاميركية لشؤون الإرهاب والإستخبارات المالية.


وبعيداً عن الحوادث الدراماتيكية في مضيق هرمز ومحيطه، تدور رحى المعركة الفعلية بين أميركا وإيران في العالم المالي. فالعقوبات هي سلاح واشنطن الأمضى في جبه سعي إيران الى سلاح ذري وتقييد برنامج تسلحها الصاروخي الباليستي، وتقويض دعمها الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط.


مدنيون في عرين العسكر
يقول المهندس هادي ابن التاسعة والثلاثين عاماً الذي عمل في "خاتم الأنبياء" طوال أكثر من عامين كمستشار في مشروع بناء سلسلة جسور دائرية تربط منطقة همات بطهران، أن أكثر المتضررين من العقوبات هم أمثاله الذين لا صلة لهم بالحرس في وقت يبقى قادة الباسدران في منأى من الضرر."العاملون في الورشة كلهم من المدنيين، مهندسون. وحدهم كبار قادة الحرس هم جنرالات. ولم نكن مطالبين في عملنا بالصلاة ولا بتبني الايديولوجيا الثورية". 

 ويستمد مجمع "خاتم الأنبياء" مشروعيته من إعمار إيران بعد الحرب التي دامت ثمانية أعوام مع العراق، وله أذرع في الخارج حيث تولت هذه المؤسسة القابضة مد أنابيب نفط بين بغداد والبصرة في العراق، وأبرمت عقداً لتشييد منشأة كهرباء في سوريا.

واليوم، على رأس "خاتم الأنبياء" مسؤول مدني غير عسكري على خلاف ما جرت عليه الأمور في السابق، وهو مهندس في عقده السادس. ويقول مالبرونو أن هذا المسؤول يقدم صورة إيجابية عن "خاتم الأنبياء"، ويروج لفنادق فخمة في مشهد، ومجمع فنادق في جزيرة كيش ومقاه على طراز ستاربكس الاميركية. ولكن كناني مقدم يقول أن دور سعيد محمد يقتصر على التنسيق بين المؤسسات التابعة لخاتم الأنبياء، ولكن من يوجه دفة هذا المُجمع هم قادة الحرس التاريخيين. ويقع على عاتقه تطوير استراتيجية التفاف جديدة على العقوبات، والإشراف على "اقتصاد المقاومة"، أي الانتاج المحلي. ويرى ديبلوماسي أوروبي أن باع الحرس الايراني طويل في الالتفاف على العقوبات، فهم كانوا ناشطين في هذا المجال في عهد محمود أحمدي نجاد الذي عزز قبضتهم.


وتوافق الباحثة الاميركية في الشؤون الايرانية، سوزان مالوني، في معهد بروكينغز، رأي غلوبل تايمز الصينية في أن طهران وواشنطن لا تريدان الحرب، ولكنها تشير إلى أن الأولى لن تدع ترامب على سجيته "يجلس ويراقب ما يجري"، على قوله. فإيران عاقدة العزم على تغيير توازنات القوى في الخليج التي لا تصب في مصلحتها. فمن طريق تأجيج التوترات، يأمل الايرانيون في توسيع الأزمة وجر أميركا إلى الحوار والخروج من المأزق الناجم عن الضغوط الأميركية القصوى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها