آخر تحديث:13:36(بيروت)
الإثنين 22/07/2019
share

حرب الناقلات.. تزيد احتمالات المواجهة في الخليج

المركز العربي للابحاث | الإثنين 22/07/2019
شارك المقال :
حرب الناقلات.. تزيد احتمالات المواجهة في الخليج Getty ©

قامت وحدات تابعة للبحرية الإيرانية، في 19 تموز/ يوليو 2019، باعتراض ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني في بحر عُمان، وساقتها شمالًا باتجاه ميناء بندر عباس حيث جرى احتجازها مع أفراد طاقمها. وأعلنت إيران أن السفينة خالفت قوانين الملاحة في المنطقة وكادت تصطدم بقارب صيد إيراني، ما استدعى تدخلًا منها. في حين نفت بريطانيا أن تكون السفينة خالفت أي قوانين للملاحة في المنطقة، واعتبرت أن السلوك الإيراني غير قانوني وطالبت إيران بالإفراج الفوري عنها.


حرب ناقلات؟
بصرف النظر عن المبررات التي ساقتها إيران لاحتجاز الناقلة "ستينا إمبيرو" التي ترفع علم بريطانيا، فإن من الواضح أنها تأتي ردة فعل على قيام حكومة جبل طارق، التي تتبع التاج البريطاني، في 4 تموز/ يوليو 2019، باحتجاز ناقلة "غريس 1" الإيرانية، أثناء عبورها المضيق وهي محملة بمليوني برميل من النفط. تقول بريطانيا إن هذه الناقلة كانت متجهة إلى سورية، وإن الحكومة البريطانية ملتزمة بفرض عقوبات الاتحاد الأوروبي على النظام السوري، وليس العقوبات الأميركية على إيران. وقد طالبت إيران بإطلاق سراح السفينة، لكن بريطانيا اشترطت، لتحقيق ذلك، الحصول على تعهدات إيرانية بأن لا تتجه السفينة إلى سورية، وهو أمر ترفض إيران تقديمه حتى الآن. وقد هددتها إيران بأنها ستحتجز سفنًا بريطانيةً في الخليج ما لم تطلق بريطانيا سراح الناقلة الإيرانية. وبالفعل، حاولت إيران مرارًا، خلال الأسبوعين الأخيرين، اعتراض واحتجاز سفن بريطانية في مياه الخليج، وكادت تنجح في إحدى المرات لولا تدخل البحرية البريطانية التي تمكنت من إحباط محاولة زوارق إيرانية اعتراض ناقلة بريطانية، في وقت سابق في تموز/ يوليو 2019، قبل أن تتمكن إيران أخيرًا من احتجاز السفينة "ستينا إمبيرو". ويبدو أن إيران كانت تفكر في إرغام بريطانيا على إطلاق سفينتها التي تحمل نفطًا قيمته أكثر من 100 مليون دولار، من خلال إجراء مقايضة بين سفينتها والسفينة البريطانية.


ردة فعل طهران على العقوبات
يعد احتجاز السفينة البريطانية الحلقة الأخيرة في سلسلة من الأفعال وردات الأفعال المتصاعدة، منذ أن قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مطلع أيار/ مايو 2019، إلغاء الإعفاءات الممنوحة لثماني دول، كانت تستورد نحو مليون ونصف مليون برميل من النفط الإيراني؛ ما أدى إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى أقل من 400 ألف برميل يوميًا، وهو عبء ثقيل على إيران؛ إذ إن إيرادات النفط تبلغ نحو 40 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة الإيرانية. ومنذ ذلك الوقت قامت إدارة ترامب بفرض عقوباتٍ إضافيةٍ على قطاع التعدين الإيراني (يمثل 10 في المئة من إجمالي صادرات إيران)، تلتها عقوبات على قطاع البتروكيماويات (تقدر قيمة صادراته بنحو 14 مليار دولار سنويًا)، ثم قامت أخيرًا بفرض عقوبات على قادة إيرانيين منهم مرشد الثورة علي خامنئي ذاته، في خطوة رمزية أثارت غضب إيران.


ورغم أن الولايات المتحدة ظلت تعزز وجودها العسكري منذ ذلك الوقت في منطقة الخليج لردع إيران عن القيام بأي ردة فعل على سياسة العقوبات التي تستهدف خنقها اقتصاديًا، ودفعها إلى العودة إلى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات جديدة بخصوص برنامجيها النووي والصاروخي، ونفوذها الإقليمي، فإن ذلك لم يمنع إيران من القيام بردات أفعال محسوبة على مستويين:

  • المستوى الأول: التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ومنع الآخرين من تصدير نفطهم إذا ظلت هي غير قادرة على تصدير نفطها. ورغم أن طهران نفت مسؤوليتها، فإن واشنطن تتهمها باستهداف أو محاولة استهداف ناقلات نفط في المنطقة، وذلك ترجمةً لتهديداتها الآخرين بمنعهم من تصدير نفطهم أيضًا. وقد جرى إعطاب أربع ناقلات نفط قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي في 13 أيار/ مايو 2019، ثم استهداف ناقلتين أخريين بألغام بحرية في بحر عمان بعد ذلك بشهر، وقد بث البنتاغون صورًا قال إنها تظهر زورقًا إيرانيًا يحاول إزالة لغم من جسم إحداهما.


وترى إيران أن احتجاز ناقلتها "غريس 1" في جبل طارق، ليست إلا ترجمة لقرارات ترامب منعها من تصدير نفطها كاملًا. وقد حاولت إيران من خلال احتجاز ناقلة النفط البريطانية القول إنها لن تتسامح مع محاولات تصفير صادراتها النفطية، وإن هناك ثمنًا سوف يدفعه من يحاول القيام بذلك، وإنها سوف تمنع تحول احتجاز ناقلتها في جبل طارق إلى سابقة تتكرر في دول أخرى، بضغط أميركي. علمًا أن السعودية كانت تحتجز ناقلة نفط إيرانية في ميناء جدة، بذريعة أن عليها أن تدفع رسوم رسوٍّ وصيانة في الميناء تقدر بأكثر من 10 ملايين دولار، دفعتها إيران قبل أن تفرج عنها السعودية التي ساعدت في إنقاذها عندما تعرضت لعطل في البحر الأحمر.

  • المستوى الثاني: يتصل بالتزامات إيران بنود الاتفاق النووي؛ إذ خرقت إيران اثنين منها، الأول يتصل بكميات اليورانيوم المخصب الذي يحق لها الاحتفاظ به بعد تخصيبه بنسبة 3.67 في المئة. فلقد أعلنت إيران وقف عمليات بيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل، والذي لا يجوز لها بموجب الاتفاق أن تحتفظ من اليورانيوم المخصب بأكثر من 300 كيلوغرام في أي وقت، وأن لا يزيد ما تمتلكه من الماء الثقيل على 130 طنًّا. كما تقول إيران إنها شرعت في تخصيب اليورانيوم بنسبة 4.5 بالمئة بعد أن كانت النسبة 3.67 في المئة، وهي التي ينص عليها الاتفاق.


وفوق ذلك، لا يبدو أن تصاعد وتيرة استهداف المنشآت الحيوية السعودية بما فيها المطارات ومنشآت نفطية من قبل الحوثيين، بعيد عن التصعيد الإيراني - الغربي.

ردة الفعل البريطانية على احتجاز الناقلة
في ظل رفضها الحديث عن أي مقايضة مع إيران، باعتبار أن ما قامت به بريطانيا من احتجاز للسفينة الإيرانية في جبل طارق يعد عملًا قانونيًا، في مقابل وصفها ما قامت به إيران في بحر عمان بأنه "قرصنة"، هددت بريطانيا باتخاذ إجراءات إذا لم تقم إيران بإطلاق سراح ناقلتها. ويبدو أن لندن في طور التوجه إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد أن وجهت إليه رسالة تشكو فيها من احتجاز إيران لسفينتها، وتفند فيها رواية خرق قوانين الملاحة. ويرجح في ظل استمرار الأزمة أن تقوم بريطانيا بفرض عقوبات من طرفها على إيران، بما فيها تجميد أصول إيرانية. وقد تذهب بريطانيا في مرحلة تالية إلى المطالبة بإعادة فرض العقوبات الأممية والأوروبية التي رفعت عن إيران بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015. لكن هذا الأمر لن يكون سهلًا، إذ يتوقع أن تستخدم روسيا، وربما الصين، حق النقض ضد أي مشروع قرار تتقدم به بريطانيا في مجلس الأمن بهذا الخصوص. أما أوروبيًا، ورغم حصول بريطانيا على تضامن أوروبي في أزمتها مع إيران، وخاصة من شريكتيها في الاتفاق النووي فرنسا وألمانيا، فإن إعادة فرض العقوبات الأوروبية على إيران قد تلقى هي الأخرى مقاومة في هذه المرحلة، من باريس وبرلين، لأن ذلك يعني فعليًا القضاء على آخر فرص إنقاذ الاتفاق النووي الذي تبذل الدولتان جهدًا كبيرًا للمحافظة عليه.


تحالف "راغبين" لحماية حرية الملاحة
إضافة إلى ما سبق، تتجه بريطانيا التي طلبت من سفنها أن تتجنب دخول مياه الخليج العربي مؤقتًا، إلى زيادة وجودها العسكري في المنطقة، ويرجح أن تأتي هذه الزيادة كجزء من المساعي التي تبذلها واشنطن لإنشاء تحالف دولي لحماية حرية الملاحة في الخليج، ومنع الهجمات على ناقلات النفط فيه. وفي هذا السياق، تتجه واشنطن إلى عقد مؤتمر "وارسو 2"، في المنامة، والذي يتوقع أن يجمع الدول التي شاركت في مؤتمر وارسو في شباط/ فبراير 2019، والذي قاده حينها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في عملية حشد دبلوماسي لمواجهة إيران.


ويبدو أن واشنطن تحقق خطوات في هذا المجال؛ إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها "تقوم بتطوير مجهود بحري متعدد الجنسيات"، باسم "الحارس"، لزيادة المراقبة والأمن في المجاري المائية الرئيسة في الشرق الأوسط "بهدف تعزيز الاستقرار البحري، وضمان المرور الآمن، وخفض التوترات في المياه الدولية في جميع أنحاء الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب وخليج عُمان". كما أعلنت القيادة المركزية "أن الدول المشاركة سوف تتمكن من توفير حراسة لسفنها التي ترفع علمها مع الاستفادة من تعاون الدول المشاركة للتنسيق وتعزيز الوعي بالمجال البحري ومراقبته". وأشارت إلى أن "المسؤولين الأميركيين يواصلون التنسيق مع الحلفاء والشركاء في أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط، حول التفاصيل والقدرات اللازمة لعملية ’الحارس‘ لتمكين حرية الملاحة في المنطقة وحماية ممرات الشحن الحيوية".


لقد استغلت الولايات المتحدة احتجاز الناقلة البريطانية لإعطاء دفعة كبيرة لجهودها الرامية إلى إنشاء تحالف "راغبين" لمواجهة إيران وتشديد الخناق عليها، وإقناع المترددين، وتحييد المعارضين. وكانت الولايات المتحدة تواجه صعوبات في حشد دعم دولي ضد إيران في بداية الأزمة، لأنها الطرف الذي أخلّ بالتزاماته بموجب الاتفاق النووي بانسحابها منه، ومن ثم فإن العديدين يعتبرون أنها المسؤولة في المقام الأول عن هذه الأزمة. أما الآن وقد راحت إيران تعترض السفن وتستهدف الناقلات وتؤثر في سلامة الإمدادات والأسعار، مع ما يعنيه هذا للاقتصاد العالمي، فإن العديد من الدول قد يغير موقفه لأن أحدًا لا يريد أن يسمح بالاعتداء على حرية الملاحة في المياه الدولية، وخاصة في المعابر والمضايق الاستراتيجية، بغض النظر عن الدوافع والأسباب. فحتى الصين التي كانت الأقرب دائمًا إلى الموقف الإيراني باتت ترسل إشارات إلى أنها، وإن كانت ترفض المشاركة في تحالف دولي تقوده واشنطن لحماية حرية الملاحة في الخليج، لن تعترض على قيامه، فالصين تستورد أكثر من 3 ملايين برميل من النفط من منطقة الخليج (44 في المئة تقريبًا من وارداتها النفطية)، وهي لا تريد أي انقطاع في الإمدادات؛ ما يؤثر على اقتصادها الذي يواجه صعوبات بالفعل، بعد أن انخفضت نسبة نموه إلى نحو 6.4 في المئة بسبب الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، ومن ثم لا تريد مزيدًا من الاهتزازات.


خاتمة
رفع قيام إيران احتجاز ناقلة النفط البريطانية التوتر في منطقة الخليج، إلى مستويات جديدة، خاصة في ضوء الاستعدادات الأميركية للإعلان عن تحالف دولي لحماية حرية الملاحة في المنطقة، وتوقعات بزيادة كبيرة في مستوى الحضور العسكري الدولي فيها. ومع أنه من الواضح، حتى الآن، أنّ إدارة ترامب لا ترغب في الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، فإن استمرار استهداف ناقلات النفط من جهة، وإصرار الولايات المتحدة وحلفائها على حماية ممرات الملاحة الدولية، واستمرار تدفق النفط من الخليج من جهة أخرى، كل هذا قد يؤدي فعلًا إلى حصول مواجهة، وخصوصًا أن إيران لن تقبل أن يتحول منعها من تصدير نفطها إلى أمر واقع لا تستطيع أن تفعل حياله شيئًا. وما لم يتمكن الطرفان من فتح مسار دبلوماسي سريعًا للخروج من هذا المأزق، وهو ما تحاول عدة دول القيام به، وكذلك حاول وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف تلمُّسه خلال وجوده في نيويورك الأسبوع الماضي، فان احتمال المواجهة العسكرية يتزايد باضطراد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها