آخر تحديث:14:29(بيروت)
الثلاثاء 02/07/2019
share

تصعيد نووي إيراني أم نداء استغاثة؟

ريم جبر | الثلاثاء 02/07/2019
شارك المقال :
تصعيد نووي إيراني أم نداء استغاثة؟ Getty ©
مع إعلان طهران تجاوز مخزون اليورانيوم المخصب العتبة المسموح بها في الاتفاق النووي، بدا أن الصحافة الأميركية متنازعة بين آراء تكاد تكون مطابقة لموقف الإدارة الأميركية وآراء تحذر من التفريط بالاتفاق. ولكن اليوم برزت مقالة بعنوان "إيران تسارع الى صناعة سلاح نووي وإدارة ترامب لا تستطيع الحؤول دون ذلك" كتبها أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمير. واستوقفت المقالة هذه خبراء في الشؤون العسكرية استقبلها بعضهم بالسخرية وبعض آخر بالتنبيه إلى أن نزع فتيل الازمة دبلوماسياً لا يزال سانحاً.

ويرى ميرشايمير أن سياسة واشنطن في العام الماضي تثبت للقادة الإيرانيين أنهم ارتكبوا خطأ كبيراً حين لم يطوروا قوة ردع ذرية في مطلع العقد الماضي. فأميركا أعلنت الحرب على إيران، وعقوباتها تخنق الاقتصاد الإيراني لحمل طهران على تفكيك قدراتها على إنتاج البلوتونيوم وتخصيب اليورانيوم، وتغيير سياستها الخارجية لتتوافق مع المصالح الأميركية. ولكن الضغط الكبير على إيران، يهدد بقاء الدولة الايرانية.

والتاريخ شاهد على اخفاق العقوبات الضخمة- الحصار والعقوبات وحملات القصف الجوي- في ثني الخصوم عن سياستهم. ونادراً ما تراجعت الدول المحاصرة أو ألقت السلاح. فالعقوبات الأميركية قتلت أكثر من 100 ألف عراقي في التسعينات ولكن صدام حسين لم يتراجع.

النفخ في المشاعر القومية هو قوة لا تنضب وتشد أواصر التماسك في المجتمع عوض الانتفاض على القادة ومطالبتهم بالاستسلام. ويخلص ميرشايمير إلى أن أميركا وإيران تدوران في حلقة مفرغة من التصعيد: فمن جهة يُرجح أن يشن الإيرانيون هجمات "مقنَّعة" جديدة على ناقلات النفط ومنشآت النفط في الخليج، وأن توكل طهران إلى وكلائها شن هجمات على القوات والمنشآت الأميركية وأن تطلق هجمات سيبرانية دقيقة على أميركا وحلفائها. ومن جهة ثانية، يتوقع أن يلجأ ترامب إلى التصعيد والرد. فهو لا يملك تخفيف قيود العقوبات الاقتصادية مخافة الصقور في إدراته. وفي وقت تواجه طهران خطراً وجودياً، من شأن السلاح النووي انقاذها وانتشالها من هذا الطريق المسدود، بعد أن سدت واشنطن الطريق أمام حل دبلوماسي.

لكن روبرت كابلن في صحيفة "نيويورك تايمز" نبّه إلى وجه جيو استراتيجي آخر للمسألة يغفله المراقبون. فهو يقول في مقالة عنوانها "ليست إيران مدار ما يجري بل الصين" أن التوترات الحالية وثيقة الصلة بالصين والمحيط الهندي أكثر مما هي مرتبطة بإيران والخليج. والمراوحة الأميركية-الإيرانية مرتبطة بمسألة أكبر. فخليج عمان لا يفصل فحسب بين عُمان وإيران بل كذلك بين عمان وباكستان. وفي جنوب غرب باكستان، على الحدود الإيرانية، أنجزت الصين تطوير مرفأ جوادر الذي تسعى بكين إلى ربطه بشبكة الطرق وسكك الحديد وأنابيب النفط المفضية الى غرب الصين.

في وسع الصينيين مراقبة حركة النقل البحري في مضيق هرمز انطلاقاً من جوادر أو غوادار. وهذا عملياً يعني أن الصين صارت في قلب الشرق الاوسط. ولم يعد خليج عُمان ممراً نفطياً فحسب. فهو قطبة أو مفصل يُدرج الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الهندية وشرق آسيا في مشروع حزام واحد وطريق الصيني. وبكين أنجزت شبكة طرق في آسيا الوسطى تربطها بإيران، وهذه مركز ثقل سكاني وجغرافي في أوراسيا.

وتساهم حرب أميركية مع إيران أكثر فأكثر في تقرب طهران من الصين، التي تشتري ثلث صادرات الطاقة الإيرانية. وعلى رغم العقوبات الأميركية والمفاوضات التجارية الصينية-الأميركية، ستجد طهران وبكين سبل تعاون للالتفاف على أميركا.

ليست الصين وحدها من ترى أن منطقة الخليج حيوية. فالهنود والإيرانيون يتنافسون معها ومع باكستان على مد الجسور بين خليج عُمان والداخل الأوراسي لربط جنوب شرق إيران بآسيا الوسطى. وإلى اليوم، لا يزال الغموض يلف نتيجة هذا السباق بين الصينين والباكستانيين من جهة وبين الهنود والايرانيين من جهة أخرى. وفي كل الأحوال، أميركا ليست طرفاً في ما يجري.

موقع إيران المركزي في الجغرافية السياسية في القرن الحادي والعشرين جعلها تهيمن على شبكة طرق آسيا الوسطى وتقع على مفترق طرق الطاقة في المحيط الهندي، في وقت ساحلها مترامي الاطراف ويبلغ طوله 1500 ميل يمتد من العراق الى باكستان.

على خلاف الصين التي رسمت استراتيجية ضخمة تحتسب الجغرافيا والثقافة، تنتهج واشنطن استراتيجية حربية قصيرة النظر إزاء إيران. والاستراتيجية هذه تكلل انسحابها في وقت سابق من مفاوضات اتفاق التجارة العابرة للهادئ. وهذه السياسة دليل على أن جعبة أميركا خاوية من خطة لمنافسة مبادرة "طريق الحزام الواحد" الصينية. فالأميركيون شاغلهم الهوسي هو منطقة الخليج، ولكنهم يحسبون أنها منطقة صغيرة نائية، بينما يحتسب الصينيون التوازنات الجغرافية الأوسع.

ولا شك في أن إيران تهدد استقرار الشرق الاوسط، وتحديداً استقرار حلفاء أميركا. ولكن ثمة أكثر من مركز قرار في نظام الملالي في إيران، وليس في الامكان إطاحته في عملية عسكرية مرتجلة. فعملية ترمي إلى تغيير النظام في إيران قد تفاقم تعقيد الأمور. وإذ ذاك يمسك الحرس الثوري بشكل مباشر بمقاليد السلطة.

وحريّ بالولايات المتحدة التزام مقاربة تجمع بين الضغوط الاقتصادية والهجمات السيبرانية الموجهة وبين استئناف المفاوضات والدعوة إلى رفع القيود عن الحريات. ومثل هذه المقاربة تقوض موقع الصين.

ينقل جورج مالبرونو في "لوفيغارو" الفرنسية عن فرانسوا نيكولو، سفير فرنسي سابق في إيران، أن التلويح بتجاوز عتبة التخصيب المحددة في الاتفاق النووي هو في مثابة "نداء استغاثة توجهه إيران إلى شركائها في الاتفاق لدرء أهوال العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني". وهو يشير إلى أن خطر الانتشار النووي غير داهم طالما أن طهران لم تقترب من حيازة طن من اليورانيوم المخصب تخصيباً خفيفاً".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها