آخر تحديث:09:43(بيروت)
الأحد 14/07/2019
share

شهادة فرنسية: الطاغية السوري باقٍ

ريم جبر | الأحد 14/07/2019
شارك المقال :
شهادة فرنسية: الطاغية السوري باقٍ Getty ©
في أشهر الانتفاضة السورية الأولى زار السفيران الاميركي والفرنسي المناطق الثائرة للاعراب عن التضامن والدعم، ولكن شيئاً فشيئاً بدا أنهما يرفعان لواء قيم وتوازنات دولية أو نظام دولي على وجه التحديد، لم تعد راسخة، في وقت كثر الكلام فيه عن الحاجة الى إرساء نظام دولي جديد يحتسب ما ترتب على العولمة وتقوقع الولايات المتحدة. وأطاح نظام الأسد وداعميه كل القيم الانسانية وقوانين الحرب التي كرسها الغرب نواةً للنظام الدولي في نهاية القرن العشرين.

وترتب على تردد باراك أوباما وعزوفه عن الرد على هجوم الأسد الكيماوي، إطلاق يد نظامي الأسد وبوتين. ويرى ميشال دوكلو، السفير الفرنسي السابق في سوريا، في مقابلة مع لوموند الفرنسية في مناسبة صدور كتابه الليل السوري الطويل، أن نتائج إحجام الغرب عن التدخل لم تعد خافية على المستويين السياسي والانساني: خسر الغربيون القدرة على التأثير في هذه الحرب التي أودت بأكثر من 500 ألف قتيل وهجرت ملايين النازحين واللاجئين. وهذه الحرب تهدد مصالح أوروبا وأمنها الداخلي الذي زعزته هجمات إرهابية وسيل اللاجئين.

ولا شك في أن بشار الأسد أفلح في البقاء في سدة السلطة من طريق العنف والارهاب، ونجح في حرب البروباغندا مستفيداً من رأي عام غربي يميل إلى نسيان ما ارتكبه النظام السوري حتى قبل الحرب الأهلية. وفي الحرب السورية رجحت كفة الحرس الثوري الايراني ونزعته التوسعية في الداخل الايراني، على ما ينبّه دوكلو في مقابلة مع صحيفة ليبيراسيون الفرنسية. ففي بادئ الأمر أراد الرئيس الايراني حينها، محمود أحمدي نجاد، تأييد الثورة السورية. ولكن "الباسدران" أقنع المرشد الأعلى بدعم بشار الاسد.

الحرب الاهلية الاسبانية والنزاع السوري

في ختام العام الأول على النزاع في صيف 2012، لاحظ ميشال دوكلو أوجه شبه بين "الحرب الاسبانية" والحرب السورية، على رغم أن الحوادث التاريخية لا تتكرر على المنوال نفسه والعالم لم يعد على ما كان في ثلاثينات القرن الماضي. ولكن أوجه الشبه بين النزاعين كبيرة وتسلط الضوء على أن الحرب في سوريا تقوض نفوذ الانظمة الديموقراطية الغربية المنهكة كما كانت حالها في الثلاثينات من القرن الماضي.

وفي الحرب الاسبانية كما في الحرب السورية برز سؤال شائك: هل يجب التدخل في الحرب الاهلية لدعم من يرى الأوروبيون أنه أقرب إليهم ومن يواجه خصومهم؟ وفي 1936، كانت حكومة "الجبهة الشعبية" في اسبانيا تواجه انقلاباً عسكرياً، بينما في سوريا اصطدمت انتفاضة شعبية بقمع السلطات الحاكمة. وعلى رغم أوجه التباين بين الحربين، ثمة وجه شبه راسخ يربط بين الجمهوريين الاسبان والمنفتضين السوريين: الاسبان حاولوا التصدي لخطر ديكتاتورية تتبلور في حين أن السوريين حسِبوا أن في وسعهم التصدي لنظام ديكتاتوري راسخ ومكرّس.

وفي الحالتين، الانظمة الديموقراطية الغربية أحجمت عن التدخل، على خلاف خصوم الديموقراطية الذين لم يترددوا في التدخل. فدعمت كل من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية نظام فرانكو، وتدخلتا عسكرياً على ما تفعل إيران وروسيا.

فراغ غربي-أميركي

وتسنى في سوريا لدول الخليج وتركيا توجيه المعارضة السورية الى منحى اسلامي. ومثلما كانت الحال في الحرب الاسبانية حين خلصت مراكز القرار الغربية أن "الجبهة الوطنية" قوة مخيفة ومصدر خطر، نظرت الانظمة الغربية بعين الارتياب الى المعارضة ورأت أنها إسلامية في المقام الأول، في وقت لم تكن هذه حالها في مطلع الثورة وكانت تناضل سلمياً في سبيل قيم وأفكار تشبه نظيرتها في الغرب.

وعلى خلاف تدخل الغرب العسكري في البوسنة ثم في كوسوفو، وهو تدخل رفع لواء العمل الإنساني وأنقذ المنطقة من عنف مرسل متناسل الفصول، انفلت الوضع في سوريا من كل عقال جراء تعدد الأطراف الضالعة في النزاع. وسارعت إيران والحرس الثوري و"حزب الله" الى دعم النظام، في وقت دعمت قوى إقليمية المعارضة المسلحة، ولم يكن دعم الغرب لها يعتد به.

وفي مطلع الازمة السورية، تولت روسيا حماية النظام في المجال السيبراني الرقمي ووفرت له غطاء جوياً قبل أن تتدخل مباشرة في خريف 2015. أما الأتراك فتدخلوا للتصدي للأكراد السوريين – وهؤلاء يدعمهم الأميركيون والفرنسيون في إطار الحرب على داعش. فهذه الحرب الأهلية تحولت الى حرب إقليمية ثم إلى نزاع دولي تتواجه فيه إيران وإسرائيل وروسيا وأميركا وتركيا وقوى إرهابية متعددة الجنسية. وثمة أوجه شبه مع ما يجري اليوم في السودان: ضغط إقليمي لوقف مد الحراك الشعبي، وعرقلة الصين وروسيا قرارات مجلس الأمن الشاجبة لما يجري.

طبيعة النظام السوري

أرسى حافظ الاسد أسس النظام السوري الأقلوي، واعتمد على الطائفة العلوية واتخذها رهينة له في آن واحد. وفي 1982، قمع حافظ الاسد حوادث حماه قمعاً دموياً مطلق اليد بعد عامين من الاضطرابات. وصار لسان حال النظام الأسدي أن هذا الانقضاض ضمن له 30 عاماً من الهدوء.

ولجأ بشار الاسد الى العنف المرسل والمطلق منذ التظاهرات الاولى في درعا في آذار 2011، وتوسل بالمجازر لقمع الثورة في مهدها، ورص صفوف الطائفة العلوية حوله. وحالفه الحظ جراء تزامن اندلاع الثورة السورية مع رفض الرأي العام الغربي ومراكز القرار في الولايات المتحدة، التدخلات الخارجية. فسنحت لروسيا البوتينية التدخل على ما تشاء. واستغل سيد الكرملين الفراغ الذي خلفه الغرب ليطوي صفحة التدخل الغربي الرامي الى تغيير أنظمة حليفة وتابعة تدور في فلك النظام الروسي.

إنقاذ روسيا..وانسحاب أميركي محدود

قبل تدخل روسيا في سوريا، كانت في عزلة دولية إثر طردها من مجموعة الدول الثماني وفرض الغرب عقوبات عليها جراء سياساتها العدوانية في شرق أوكرانيا وضمها القرم. ورمى بوتين من التدخل العسكري في سوريا في خريف 2015 إلى استعادة مكانة بلاده على الساحة الدولية. وأفلح في ذلك، على رغم تواضع القوة العسكرية التي لجأ إليها. واليوم مكانته في المنطقة في أوجها، حتى في بلدان الخليج أو تركيا وإسرائيل. ويبدو فلادمير بوتين أكثر فأكثر الفيصل في نزاعات المنطقة. وفي سابقة منذ الحرب العالمية الثانية، تدور رحى أزمة في الشرق الاوسط لا تؤدي فيها أميركا دوراً مركزياً.

وصار انحسار دور أميركا في الشرق الأوسط جلياً في آب وأيلول 2013 حين استخدم نظام الأسد السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، وامتنع الرئيس الاميركي، باراك أوباما، عن توجيه ضربة تقتص منه. أما القوى الاقليمية فلم تعد تقيم للولايات المتحدة وزناً في المنطقة كما لو أن نفوذها انقضى فيها. فتدخلت دول الخليج في اليمن، وتركيا ضد الاكراد شمال سوريا. وعلى رغم أن الولايات المتحدة تمسك عن التدخل مباشرة في نزاعات المنطقة، لا تزال قوتها العسكرية الدولية والاقليمية لا تضاهى. وهذا ما لا تغفله القوى الاقليمية ولا روسيا.

فانسحاب أميركا نسبي من المنطقة، ولا تزال واشنطن وازنة. ولكن التردد الأميركي بين رغبة الانطواء وعدم التدخل من جهة، وبين احتمال التدخل، من جهة أخرى، هو ما يجعل التوترات مع إيران خطيرة.

ولم يكن شن عملية عسكرية واسعة على سوريا ممكناً ولا مستحباً. ولكن كان في المتناول شن ضربات موجهة محدودة تقنع آل الأسد بأن الغرب لن يقف موقف المتفرج. وفي 2012 و2013، كان النظام بالغ الضعف، وبعض القادة السوريين كانوا مستعدين للتخلي عن الأسد لو تلقوا تأييداً واضحاً من الغرب والاميركيين.

ورجحت كفة نظام الأسد، وفاز. فهو استند الى بروباغاندا ناجعة تتكئ على عناصر من الواقع. فبروز قوة الاسلامييين لم يكن من بنات الخيال، على رغم دور النظام السوري في النفخ في قوة الاسلاميين. ولكن النظام السوري يخرج صورته على أنه يمثل سلطة علمانية تحمي المسيحيين وتتصدى للاسلاميين.

ويأخذ دوكلو على كثيرين من الفرنسيين نسيانهم ما ارتكبه النظام السوري قبل الحرب الاخيرة: اغتيال سفير فرنسا في بيروت لوي ديلامار، والهجوم في شارع روزييه الباريسي في آب 1982، ما أودى بستة قتلى، ومجزرة مبنى دراكار حيث قضى 58 عسكرياً في 1983 في بيروت. والنظام السوري باق على نهجه، فهو يحسب أنه ربح الحرب. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها