آخر تحديث:13:54(بيروت)
الإثنين 17/06/2019
share

القدس:مواجهة الاحتلال الإسرائيلي..بالثقافة والتراث والتربية

المركز العربي للابحاث | الإثنين 17/06/2019
شارك المقال :
القدس:مواجهة الاحتلال الإسرائيلي..بالثقافة والتراث والتربية (العربي الجديد)
تواصلت، في العاصمة الأردنية، عمّان، أعمال مؤتمر "القدس: تحديات الواقع وإمكانات المواجهة" الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع الجامعة الأردنية، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية في عمّان، في الفترة 15-17 حزيران/يونيو 2019. اشتمل برنامج اليوم الثاني من المؤتمر على ست جلسات، تناولت قضايا متعددة تتعلق بمجالات الاستعمار الإحلالي الإسرائيلي في القدس، وقضايا التعليم فيها، وسياسات المحو الثقافي، وسُبل مواجهة السكان المقدسيين الفلسطينيين لسياسات الاحتلال الإسرائيلي ومقاومتهم لها. 

الاستعمار الإحلالي وسياساته الديموغرافية والعمرانية
خصصت الجلستان الأوليان من اليوم الثاني للمؤتمر، وهما الخامسة والسادسة في جدول أعمال المؤتمر، لمناقشة المشروع "الإحلالي" للاحتلال الإسرائيلي وسياساته الديموغرافية والعمرانية. وقدم الدكتور راسم خمايسة في الجلسة الخامسة بحثًا بعنوان "الديموغرافوبيا في القدس: الواقع والتحولات والاستشراف"، استعرض فيه كيفية إدخال الديموغرافيا في الصراع على القدس من منطلق أن أي طرح سياسي يبدأ من الصراع على الديموغرافيا، وأن حل الدولتين مبني على أساس ديموغرافي، وأن الديموغرافية الفلسطينية يتم التخويف منها من خلال اتجاهين؛ أحدهما داخلي تجاه المجتمع الداخلي، والآخر عَبْر خطاب أقلاوي تجاه العالم. وبين الباحث أنه ثمة صراع أفقي على الانتشار في الحيز، وآخر عمودي يتعلق بالصفات الديموغرافية لسكان المدينة، وأن هناك تلاقحًا بين هذين البعدين، وأن الصراع الديموغرافي في القدس يمثّل نموذجًا للصراع في كل مناطق فلسطين. 

أما الأستاذ أشرف بدر فتناول في بحثه "التعداد السكاني في القدس بوصفه أداةً للسيطرة والتشظية الاستعمارية"، وقد قدم تحليلًا حول الكيفية التي تعمل بها سلطات الاحتلال من خلال توظيف التعداد السكاني في الجزء المستعمر من القدس في عام 1967، سواء الذي قام به الجهاز البيروقراطي الاستعماري الإسرائيلي في عام 1967، أو التعدادات السكانية التي قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الأعوام 1997 و2007 و2017. وقدم تحليلًا متعلقًا بكيفية تقاطع العلم مع السلطة السياسية، ومساهمة التعداد السكاني في تشظية المجتمع الفلسطيني وترسيخ التقسيمات الاستعمارية، إضافة إلى هدف الآخر بشأن كيفية تمثيل السلطة الحاكمة، وتوظيفه كجزء من النزاع الديموغرافي القائم في فلسطين، والقدس بصفة خاصة. 

وقدم الدكتور شاهر العالول بحثًا بعنوان "إجراءات وممارسات الاحتلال العنصرية وأثرها في حياة المقدسيين في مدينة القدس"، بيّن فيه أن الاحتلال الإسرائيلي، من خلال إجراءاته وممارساته في القدس الشرقية، يهدف إلى تصعيب حياة السكان الفلسطينيين؛ لدفعهم إلى الرحيل عن المدينة، وخلق واقع ديموغرافي وجغرافي يحبط أي محاولة مستقبلية لزعزعة سيادة سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس الشرقية. كما تطرق هذا البحث إلى الإجراءات التي تتبعها سلطات الاحتلال من خلال القوانين والسياسات المتعلقة بالإقامة والسكن في القدس، والتي تهدف إلى دفع المقدسيين إلى مغادرة المدينة. 

في الجلسة السادسة، واستكمالًا لموضوع الاستعمار الإحلالي وسياساته الديموغرافية والعمرانية، تناول الدكتور عبد الله معروف عمر "المنطقة الشرقية في المسجد الأقصى المبارك ومشاريع التقسيم الصهيونية للمسجد"، وقد عرض من خلالها تطور النظرة الصهيونية لموضوع تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، مع التركيز على المنطقة الشرقية التي أصبحت في الفترة الأخيرة تمثل نقطةً مفصلية في مشروع التقسيم، كما قدم البحث صورة عن أصول نظرية السيطرة على المسجد من الناحية الدينية، تحضيرًا لظهور "المسيح المخلّص"، واستعرضت سيناريوهات العمل الذي اتبعته سلطات الاحتلال بمعاونة الجماعات اليهودية المتخصصة في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى. 

وقدّم علي موسى بحثًا بعنوان "أثر جدار الفصل العنصري ودوره في تجيير الصراع الديموغرافي الفلسطيني الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة لصالح الإسرائيليين من وجهة نظر المقدسيين"، وقد بين دور جدار الفصل العنصري في تجيير الصراع الديموغرافي الفلسطيني - الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة لمصلحة الإسرائيليين من وجهة نظر المقدسيين، وتوصل إلى عدة نتائج مفادها أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم جميع الوسائل والسبل لتبقى أعداد اليهود أكثر من أعداد العرب في المدينة، وأن قوة التأثير السلبي لجدار الفصل العنصري تتمثل بمنع تواصل أبناء الأسرة المقدسية، إضافة إلى فصل العائلات بعضها عن بعض، ويستنتج أنه ثمة ارتفاع في متوسط الزواج لدى المقدسيين، من جراء الضرائب المفروضة وغلاء المعيشة، ما يحد من تكاثرهم في المدينة المقدسة. 

أما قرن محمد إسلام، فقد ركز على "أوقاف المغاربة في القدس الشريف وإمكانات الاسترجاع في ظل القانون الدولي"، وبحث في الجانب القانوني والقرارات الدولية، وإمكانية استرجاع تلك الأوقاف التي سيطرت عليها إسرائيل، باعتبار أن القرار 181 لعام 1947 أهم مرجع ونقطة ارتكاز وأساس قانوني؛ فعلى الرغم من أن الآثار القانونية المترتبة على ثبوت قيام المسؤولية القانونية بخصوص الاحتلال الإسرائيلي، والتطرق إلى الاستعدادات القانونية والسياسية لإمكانية استرجاع أملاك المغاربة في القدس، من الأمور التي تكاد تكون مستحيلة، فإنه لا بد من استمرار المواجهة والتحدي بشتى الوسائل والطرق المتاحة. 
وجه آخر من الاستعمار الاجتثاثي في الثقافة والتراث

في الجلسة السابعة التي كانت بعنوان "في سياسات المحو الثقافي"، سعى محمد سمصار، في بحثه "ثيولوجيا الإبادة الإسرائيلية المستدامة للإرث المقدسي"، إلى تفكيك ثيولوجيا الإبادة التي يحملها الكيان الصهيوني تجاه الهوية المقدسية، والتي تجسدت في ممارسات شاذة بغطاء أخلاقي استهدف المكان والزمان والإنسان. وبيّن كيفية الاستعانة، في سبيل ذلك، بنموذج تفسيري ثلاثي الأبعاد يجمع بين البعد الديني، والبعد التاريخي، والبعد القانوني. كما قدم مقترحًا حول تفعيل دفاع مستديم يقوم على التوظيف الإيجابي لحقائق الدين والتاريخ والشرعية القانونية؛ لضمان مواصلة الصمود في وجه سياسات المحو الثقافي. 

أما الباحثة جاودة منصور، فقدمت بحثًا بعنوان "الاستعمار الصهيوني للمشاهد الثقافية والطبيعية لمدينة القدس"، انطلق من افتراض مفاده أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول بجهد، ومعه علماء البيئة الصهاينة، إثبات تقدّمه وتميزه في هذا المجال، بحيث يُظهر هؤلاء أنفسهم نموذجًا عالميًا لمن يجعل "الصحراء تزهر". وفي هذا السياق، يُعد التشجير وزراعة الغابات، وفرض القوانين الجائرة لحماية التنوع الحيوي، من أمثلة هذه السياسات، وبيّن البحث أن واقع الحال يدل على أن السياسات الصهيونية تجاه المشهد الطبيعي يعمل على تغيير ملامح الأرض من أجل إنتاج رواية وواقع طبيعي يتناسبان مع الرواية الإسرائيلية، إضافة إلى استحالة نزع الشرعية عن علاقة السكان الفلسطينيين بأرضهم، أما في مدينة القدس فتعمل إسرائيل على السيطرة على المشهد الطبيعي والعمراني من أجل سلخ المدينة المقدسة عن محيطها الفلسطيني. ويقدم البحث كذلك تفسيرًا للتدخلات والسياسات من خلال القوانين البيئية التي تصدرها، مُبرزًا بذلك مثالًا حيًا دالًا على الآلية التي تستخدم بها قضايا المناخ في الصراعات الدولية. 

التعليم في القدس: مواجهة التحديات
تمحورت الجلستان، الثامنة والتاسعة، حول التعليم في القدس، والتحديات التي تواجه الفلسطينيين في هذا القطاع ومقاومتهم للسياسات التعليمية القمعية الإسرائيلية. واشتملت الجلسة الثامنة على بحثين؛ الأول للدكتورة حنين مجادلة بعنوان "نحلم بخليل السكاكيني: عن المعلمين المقدسيين وكلاء للتغيير المجتمعي"، وفيه قدمت مقاربة تاريخية عن دور المعلمين المقدسيين في بناء المجتمع وتقدمه، وبينت أن هذا الموضوع يُعد من نقاط اللقاء الذي يحتدم عندها الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وسلطت الباحثة الضوء على معلّمي القدس وتعاملهم مع التحديات التي تواجه قطاع التعليم في القدس، من خلال مقابلة عشرين معلمًا ومعلمة مقدسيين، يدرسون طلابهم على أسس التغيير المجتمعي، ويرون في هذا الدور رافعةً اجتماعية، من الممكن أن تحد من التدهور الكبير في التعليم خصوصًا، وفي المجتمع عمومًا. وطرحت الباحثة تساؤلات عدة تخص تعريف دور المعلم المقدسي، إضافة إلى محاولة استحضار شتى الآليات التي يستعملها المعلمون لتغيير واقعهم، وواقع طلابهم، من خلال دورهم في التربية والتعليم. 

وقد أبرز الدكتور محمود زياد، في بحثه "دور المجتمع المقدسي في مواجهة سياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه التعليم في مدينة القدس"، دورَ المجتمع المقدسي في مواجهة السياسة الإسرائيلية في مجال التعليم بمدينة القدس، ومواجهة عمليات التهويد المستمرة التي يقوم بها الاحتلال، لفرض سياسته التعليمية، ومحاولة فرض المنهاج الإسرائيلي على المؤسسات التعليمية في المدينة. كما قدم دور المجتمع، والمؤسسات الرسمية والحقوقية، ومؤسسات المجتمع المدني، في مواجهة تلك السياسات؛ لما تشكله من خطر على الوعي الفلسطيني. 

المقاومة في قطاع التعليم
في الجلسة التاسعة والأخيرة في برنامج اليوم الثاني من المؤتمر، قدّم جوني منصور بحثًا بعنوان "أدوات السيطرة والقمع الإسرائيلية في القدس المحتلة: مناهج وكتب التعليم نموذجًا"، وقد بيّن استخدام إسرائيل، منذ حرب حزيران/ يونيو 1967، أدوات السيطرة والقمع والإنكار والإقصاء، من خلال محاولاتها المستمرة فرض مناهج وكتب التعليم في المدارس العربية في القدس الشرقية؛ فالصراع منذ عقود، بين الجانب الإسرائيلي والسلطة الوطنية الفلسطينية، يدور حول المناهج التعليمية، والكتب التعليمية، شكلًا ومضمونًا، وتعمل إسرائيل على إخضاع جهاز التعليم للأسرلة، ووضعه تحت سيطرتها ومراقبتها المباشرة، ومنع استخدام كتب تعليم فلسطينية تحوي فصولًا تحكي عن الرواية الفلسطينية ومصطلحات ومفاهيم فلسطينية. وتوصّل الباحث إلى نتيجة مفادها أن مناهج التعليم والكتب التعليمية ساحةٌ أخرى من ساحات الصراع مع الاحتلال، وفي الوقت ذاته فإن المناهج والكتب التعليمية فضاءٌ للنضال من أجل تثبيت الهوية الفلسطينية، وتعزيز معرفة الطالب الفلسطيني وفهمه لتاريخه وحضارته وجغرافيته. كما عرض نماذج من أدوات القمع والسيطرة والإنكار التي توردها الكتب التعليمية، خصوصًا في مجال التاريخ والجغرافيا. 

وأخيرًا، تحدثت الباحثة أنوار قدح في موضوع "تحريف المناهج الفلسطينية في القدس: حرب هوية"، وقد انطلقت من فكرة وجود حرب على المناهج في القدس، وهي حرب غير متكافئة تمارسها سلطات الاحتلال في حق شعب محتل يحاول جاهدًا الإبقاء على وجوده. وحاولت الباحثة تسليط الضوء على التحريف في المناهج الفلسطينية المقررة في المدينة؛ وذلك بإعادة قراءة تلك الظاهرة الإحلالية، وربطها بنظرية الذاكرة الجمعية، واعتبرت الباحثة أن استدعاء الذاكرة في فضاء مشحون بالذاكرات المتضادة، كمدينة القدس، يُعد سيرورة وقائية حينًا، وإنقاذية حينًا آخر، وخلصت إلى أن الذاكرة يتعزز وجودها في الحاضر من خلال أهمية العمل الذي تقوم به الذاكرة نفسُها لتأكيد الهوية وإدارة الصدمة والألم، وصناعة المطالب السياسية والأخلاقية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها