آخر تحديث:09:36(بيروت)
الأحد 26/05/2019
share

معضلة الإخوان السوريين (٢)

موفق نيربية | الأحد 26/05/2019
شارك المقال :
معضلة الإخوان السوريين (٢) Getty ©

تدور في أروقة السوريين أحاديث طريفة حول الثورة السودانية، وكيف أنه ربما من أهم أسرار نجاحها غياب الإخوان المسلمين عنها، وتوزعهم ما بين نظام البشير وحزب الترابي الذي يتردد موقفه بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير. وهم بالطبع يسردون طرائفهم هذه الأيام على نمط الكوميديا السوداء التي تدور في سوريا وعلى خريطتها الممزقة، وشعبها الممزق.

حين اندلعت الثورة السورية في النصف الثاني من آذار 2011، كان الإخوان المسلمون لا يزالون أسرى تعهدهم بتجميد معارضتهم للنظام، ولا أظن أن هنالك تفسيراً لما يُسمّى ترددهم المؤقت آنذاك في الوقوف مع الثوار إلا بذلك الإسار، ولم يتأخروا طويلاً حتى باشروا مباشرة باللعب أمام الهدف، بناءاً على"تمهيدات" كان بعض الشباب القريب منهم أو المرتبط بهم قد شرعوا بها قبيل الثورة على ساحة التواصل الاجتماعي، وبزخم قوي، ثم دخلوا من الخارج القريب، وأسهموا خصوصاً بتنظيم مؤتمر أنطاليا في تركيا- حزيران 2011- الذي كان له دور مهم في الدفع لاحقاً نحو تأسيس مؤسسات سياسية رسمية تستوعب المعارضة والثوار.. ورغم ذهول المعارضة السورية أمام تجميد معارضة الإخوان ذاك، إلا أنهم، على عادة السوريين، كانوا جاهزين لاستقبال العائدين بالترحيب اللازم.

قبل البحث في الخيارات السياسية الملتبسة للجماعة، ينبغي الإشارة إلى دورها في "تسليح" الثورة، لهدفين متناقضين: حمايتها ودفعها باتجاه العنف وبالطبع تحت ضغط قوى إقليمية ذات مصلحة بذلك، أيضاً. وربما كان لطبيعة ذلك الجسم المرن العريض- الدعوي، الإنساني، السياسي- دور في تمكن الإخوان من إنكار علاقتهم بذلك التحول نحو العسكرة والتسلح  أحياناً، وتأكيده والافتخار به في أحيان أخرى. فهنالك خلايا التنظيم العالمي السورية في أكثر من موقع في الخارج، وهنالك السلفيون الجهاديون النشطون في هذا الميدان الذين يحظون بمركز قوي لدى حكومات إقليمية أو مجتمعاتها، وهنالك شتاتهم وشتات أبنائهم الذي لا يمكن التحكم بدقة في خياراته. ولعلّ من الضروري- في مجالٍ آخر- محاولة تفسير ظواهر التقية والتعارض والإنكار، التي لا يمكن التعمق فيها من دون لحظ دورٍ للإيديولوجيا بمعناها السلبي، وللمشيخة، والبيعة، وكذلك للانقسامات وعمليات التجميع المتواترة.

بعد مرحلة ليست قصيرة من تبني عمليات الانشقاق في الجيش الرسمي، وتمرير السلاح المتفرق هنا وهناك إلى أصدقاء لهم كانوا يتعطشون لحمله واستخدامه والحسم عن طريقه، شكّل الإخوان "هيئة حماية المدنيين"  في أوائل 2012 ( ولهذا التاريخ وقربه من بداية الثورة السلمية دلالة ومعنى) وكانت أداةً لاستقبال الدعم المالي والعسكري وتخزينه ثم توزيعه بالشكل المناسب، وهو الأمر الذي ابتدأ بالطبع قبل ذلك. لوحظت آنذاك تلك المواظبة على نفي علاقة الجماعة بهذه الهيئة، حتى على شكل بيان رسمي من الأخيرة، وربما كان ذلك النفي صحيحاً من بعض الزوايا، وغير صحيح في الجوهر. بهذه الطريقة حافظت الجماعة على علاقة "أبوية" مع عديد الفصائل المسلحة، وفي تأسيس البنى الأكثر تمركزاً في ما بعد، حتى كان لهم الدور الرئيس في تسمية "الجيش الحر" ثم محاولات تنظيمه لاحقاً.

في ما بعد قامت الجماعة بتجميع حوالي عشرين فصيلاً- قارب عددها الخمسين بعد فترة- تحت اسم "هيئة دروع الثورة"، وأيضاً بعد ذلك قاموا بإلغائها وتشكيل "الفيالق"، والتي يُعتبر "فيلق الشام" أهمها وأكبرها، ويحصل دائماً أن يتم تأكيد الارتباط مع الجماعة ونفيه. وفي ذلك السياق، كانت القوى السلفية الجهادية تبرعم وتزدهر، بما يتداخل مع نشاط الجماعة أو يتعارض معها، حسب واقع الحال في كل وقت وموقع. لقد دعمت قوى إقليمية ودولية ذلك النشاط، وقامت بتسهيل شحن السلاح والذخيرة بشكل منهجي، كان للجماعة أو بعض بناها دور رئيس في ذلك. باختصار، يتحمل الإخوان مسؤولية مهمة في "عسكرة" الثورة التي ينطلق فيها التسابق مع آخرين ولا يتوقف، كما يتحملون مسؤولية "الأسلمة" مع تجمعات سلفية جهادية فاقمت الأمر وزادت، مع أن السياقين سينفلتان من أي عقال أو إطار لاحقاً، كما رأينا في مسار الثورة المأساوي. أيضاً تم إنكار ذلك مراراً. كما حدث أن صدرت دفاعات حارة عن جبهة النصرة عند تصنيفها دولياً على أنها منظمة إرهابية، مع إنكار أي علاقة أو مسوولية، وتبيان أن الجماعة ذاتها من ضحايا الإرهاب والتطرف، وهذا ليس خاطئاً بالكامل.

من الناحية السياسية، كان الأمر شبيهاِ بتلك العسكرية: أوركسترا تعمل على إيقاعات متنوعة، لا انسجام بينها إلا في كتم وإخفاء ما يدور وما يأتي وما هو الموقف الحقيقي في كل مفترق ومنعطف. ابتدأ التواصل الجديد بين الإخوان المسلمين ومركز الثقل في ما بقي من إعلان دمشق منذ أواسط 2011، وعندها تم التفاهم العملي على استراتيجية تكوين أجسام المعارضة بما ينفع الطرفين ويعزل الآخرين. وفي ذلك، كان الإخوان المسلمون بقدراتهم الخارجية ومواردهم وصلاتهم وراياتهم الإسلامية في موقع المُحرّك الأقوى بالطبع.

وبشكلٍ موازٍ، كانت تجمعات المعارضين الخارجيين الشباب، الذين تغلب على عدد مهم منهم السمة الإسلامية والولادة في عائلات إخوانية، ربما مع خلفية أكثر حداثة ومعاصرة بسبب الحياة منذ الصغر في الغرب، إضافة إلى تحصيلهم العلمي المختلف والمتقدم. هؤلاء ابتدأوا، مع آخرين أبعد من البيئة الإسلاموية (مثل بسمة القضماني خصوصاً) بالتواصل لتأسيس بنية معارضة جديدة، وعقدوا مؤتمراً في اسطنبول (ربما بسبب علاقة بعضهم الجيدة مع وزير الخارجية آنذاك، أحمد داود أوغلو). وحملت البنية الجديدة اسم "المجلس الوطني السوري"، وتألف من 74 شخصاً، مما أعطي لهم اسم "مجلس ال 74" لتمييزهم عن المجلس الوطني السوري الذي تأسس في الدوحة- ثم استنبول- بعد ذلك بزمن قصير. المهم هنا، أن هنالك تداخلاً ما بين جماعة الإخوان وهذا التشكيل بأشكال متعددة!

كان تأسيس المجلس خطوة كبيرة باتجاه بلورة قيادة موحدة وفاعلة للمعارضة والثورة السورية، ولكنها، رغم ذلك، كانت عرجاء سوف تورث الثورة نفسها أثراً سلبياً. وأهم ما كان فيها من عطب هو انشغال الإخوان وإعلان دمشق بترك هيئة التنسيق خارجاً كهمٍّ رئيس، وحرص الهيئة في الوقت نفسه على البقاء خارجاً. وأي حديث غير ذلك نافل وادّعاء وتغطية للعورات. وبشكل عملي، جاء الأمر بحيث يفتح الباب العريض للمعارضة "الخارجية"، ليبقي نافذة ضيقة لمعارضة "الداخل"، بما في ذلك إعلان دمشق ذاته، الذي عجز عن تسمية ممثلين يثق بهم- جميعاًِ - من الخارج، وعجز الآخرون عن تقبّل عضوية ممثلين من الداخل بأسماء حركية. ساهم هذا الأمر بهيمنة الإخوان شكلاً ومضموناً في المجلس الوطني.

ولعله بات من الضروري أن يُكتب بشكل مستقل حول إعلان دمشق، لأنه قام- وهو المختلف نظرياً- بتسهيل "أسلمة" الإخوان للثورة والمعارضة ومؤسساتهما، مما أفسح المجال من ثَمّ لتملّص العالم من مسؤولياته أمام شعبٍ ثائر مسالم، يُذبح تحت عدسات الكاميرات الثابتة والمتحركة.

مع آخر يوم من العام 2011، أفشلت الجماعة و"الإعلان" محاولة قادها برهان غليون رئيس المجلس آنذاك للتوفيق مع هيئة التنسيق برعاية وطلب من الجامعة العربية، ثم قام الطرفان- إن صحت تسميتهما بالطرفين- مع النجاح الكبير لكل المعارضين والثوار في مؤتمر القاهرة منتصف 2012، بإفراغه من مضامينه ومنع نتائجه من التحقق بممانعة تشكيل "لجنة متابعة" لذلك المؤتمر. 

فمع تدهور وضع المجلس المحتوم بسبب تلك البنية والتفكير، وتأسيس "الائتلاف الوطني" في خريف 2012، بعد عام على تأسيس المجلس.. أضيف عامل جديد لفشل المشروع الجديد، وهو إدماج عناصر غريبة قيل إن لها علاقة ما بالتنظيم الدولي للجماعة، وهذا ليس دقيقاً تماماً، ولكن المؤكد هو ارتباطها "عضوياً" بالدولة المضيفة آنذاك.. في الوقت الذي كان تأسيس الائتلاف بديلاً عن المجلس يهدف إلى تمهيد الطريق إلى تمثيل أوسع للسوريين، في التسوية السياسية التي أصبحت خياراً ضرورياً وملحاً من الناحية الدولية، وجزئياً من الناحية الإقليمية، لم يفلح الائتلاف باستيعاب ذلك التوسع المطلوب وتحقيقه، بل أضاف حالة عصبوية متخلفة إلى هيمنة الإخوان السابقة، لم تنفع العصبويات المتقابلة في التصدي لها، ببنيتها التنافسية والمتخلفة.

وحين استفحل الصراع الإقليمي داخل الائتلاف وعلى رئاسته، اضطر الإخوان للتوزع على أكثر من جبهة، والتزموا رسمياً بالحياد، وتأسس التكتل الذي حمل اسم "التجمع الوطني السوري". ولكن تطوير عمل ذلك التجمع فشل من جديد، من خلال استمرار رفض الإخوان لإحياء مرجعية وثائق القاهرة للخروج من حالة التردّي. وامتنعوا خلال عدة اجتماعات للمكتب السياسي لذلك التجمع، عن الإجابة على ذلك الطلب، الأمر الذي نتج عنه أيضاً فشل التجمع وانحلاله، مع أنه كان في موقع ممتاز لمواجهة الاستقطاب الإقليمي ووقف تأثير المال والفساد في جسم المعارضة والثورة.

وخارج الوقائع الملموسة، كانت ولا زالت مواقف الجماعة وتفريعاتها تنوس في حقل "الوطنية" بين اعتمادها والتأكيد على مركزيتها أحياناً، والإياب نحو أممية الدين وسياسته وسموِّها فوق نتاجات الغرب من قومية ووطنية وليبرالية واشتراكية. ومواقف أخرى تتملص بشكل حاسم من موضوعة الفصل بين الدين والدولة تحت عنوان "الدولة المدنية"، لتسهيل التحالف مع علمانيين يقبلون بهذه التسوية، ويفسرونها على شكل يتعارض مع تفسير الجماعة. وكذلك الأمر ما بين اعتماد هدف "الديموقراطية" بمضمونها المعاصر، واعتماد "آليات ديموقراطية" تلتف قليلاً أو كثيراً على الموضوع..

وما بين المناورة والارتهان والهيمنة وتعدد الوجوه.. استمرت مسيرة الجماعة، وأودت بسمعتها وسمعة الثورة أيضاً. في حين كان المطلوب شيئاً آخر، عجزوا عنه كما يبدو حتى الآن، ويحتاجون إلى شجاعة وعزيمة هائلة حتى يجترحوه.

بقيت مشكلتنا حل المعادلة التالية: لا يمكن تجاهلهم، ولا إعذارهم، ولا الوقوع في شباكهم، ولا قبول وضعهم كما هو. وهنالك بالطبع إحساس عميق بالخطأ منا نحن الذين كنا هناك، وهذا الخطأ يحتاج للكثير من المعالجة من أجل تفسيره وتبريره وفهمه، وأيضاً لتحمل وتحميل مسؤولية نتائجه.

.. وربما جاءت وقائع السودان حتى تساعدنا وتنهي التردد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها