آخر تحديث:14:04(بيروت)
الأربعاء 15/05/2019
share

المنطقة على شفير حرب واسعة؟

منال نحاس | الأربعاء 15/05/2019
شارك المقال :
المنطقة على شفير حرب واسعة؟ Getty ©

هل الشرق الأوسط على مشارف حرب بين إيران والولايات المتحدة؟ هل تؤذن الحوادث الاخيرة، أي استهداف طائرتي درون منشآت نفطية في السعودية وقبلها تخريب ناقلات نفط في الإمارات العربية، بالحرب؟

في الأيام والأسابيع الاخيرة تسارعت وتيرة حوادث تنفخ في التوتر الأميركي – الايراني. فالإدارة الاميركية أدرجت في 8 نيسان (أبريل) الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية، ثم أعلنت في 22 نيسان إلغاء الإعفاءات النفطية من العقوبات، وهذه الاعفاءات خوَّلت دولاً مثل تركيا والصين شراء النفط الإيراني من دون خشية سيف العقوبات الاميركية النفطية والمصرفية.

ثم في مطلع أيار، بعد شهر بالتمام والكمال على تصنيف الباسدران إرهابياً، فرضت عقوبات على قطاع الفولاذ والحديد الايراني وأرسلت تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وينبّه موقع إيران واير إلى أن أثر العقوبات على هذا القطاع في الداخل الإيراني يفوق أثرها في التجارة مع الخارج. ففي وقت تقتصر عائدات إيران من الصلب والفولاذ في التجارة الخارجية على 5 مليارات دولار- نسبة المعادن من الصادرات الايرانية غير النفطية هي حوالى 11 في المئة بحسب وزارة الصناعية الإيرانية- يُرجح أن تفاقم هذه العقوبات التي يترتب عليها تراجع في انتاج الفولاذ والألومينيوم.. الخ، الانكماش في الداخل الإيراني وأن تسري ارتدادات العقوبات هذه في القطاعات الاقتصاية الايرانية الأخرى.


تضييق الخناق الأميركي... وحلفاء إيران "لدودون"
ولعل إلغاء الاعفاءات الاميركية في القطاع النفطي والمصرفي من جهة، وعزوف عملاق "الكتلة الشرقية"، الصين، عن مواصلة شراء النفط الإيراني هو ما أحكم الطوق على النظام الإيراني. وتضييق الخناق هذا هو، على الأرجح، وراء التصعيد في المنطقة. وكانت العملة الايرانية خسرت أكثر من 60 في المئة من قيمتها في عام واحد، وشارفت نسبة التضخم على تجاوز 31 في المئة في 2018، على ما تنبّه صحيفة لو موند الفرنسية في تقرير عنوانه "نشد الأحزمة أكثر فأكثر في إيران" عن الغلاء وتراجع مستويات العيش. فعلى سبيل المثل، تضاعف سعر اللحوم ثلاث مرات في عام واحد.


أما الصين، وفي وقت تخوض فصلاً من فصول المناوشات التجارية مع واشنطن، فلم تتقدم بأي طلب لشراء نقط إيراني في الشهر الجاري، على رغم أنها اشترت في 2018 نصف الصادرات الايرانية النفطية، أي حوالى 580 ألف برميل يومياً. واليوم، الشركات الحكومية الصينية هي أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة مما كانت عليه في 2012، على ما تلاحظ لو موند في مقالة عنوانها "العراب الصيني غائب". فهي تستورد النفط والغاز والتكنولوجيا من أميركا، وتسعى الى الاستثمار في انتاج الغاز الأميركي. وليس الانسحاب الصيني من شراكتها التجارية مع طهران طارئاً بل يعود الى تشرين الاول /أوكتوبر 2018، حين بدأت الشركات الصينية تغلق أبوابها وتتجنب أي نشاط علني أو توسيع متاجرها في المدن الإيرانية. وبحسب غلوبل تايمز الصينية، غادرت شركات صينية حكومية ايران، على الرغم أن البلد هذا كان، إلى وقت قريب، حلقة وازنة في مشروع طريق الحرير والحزام الصيني. وأبلغت شركة هواوي للهواتف شركاءها أنها ستقلص أعمالها في طهران، ولفتت جريدة وول ستريت جونل في مقالة عنوانها "الشركات الآسيوية تنسحب من إيران على وقع الضغوط الأميركية أن شركة "لونوفو" كفت عن تصدير قطعها التكنولوجية من دبي إلى إيران.  وأورد موقع فوربس لائحة بأبرز الشركات الاوروبية والأسيوية التي حملت الرحال بعيداً عن الجمهورية الاسلامية، ومنها توتال الفرنسية، وميركس للنقل البحري، وبيجو الفرنسية، وجنرال إلكتريك الاميركية التي شاركت منذ 2016 في مشاريع للبنى التحتية النفطية الايرانية وبلغت عائداتها من عقودها هناك 25 مليون دولار، وشركة هانيويل الدولية، وبوينغ، ولوك أويل الروسية، ودوفر، وسيمنس وريلاينس. وشأن هواوي، قلصت سامسونغ الكورية الجنوبية أعمالها.


وعلى رغم أن مسؤولين إيرانيين يلمحون إلى أن الحليف الصيني منحهم ضمانات سرية، وأنه يُعد اجراءات للالتفاف على العقوبات، أفادت صحيفة شرق الايرانية أن المصرف المركزي الإيراني طلب من البنوك الايرانية الكف عن شراء اليوان الصيني. وفي وقت كانت طهران تعوِّل على الاوروبيين والصين وروسيا، إلا أن دعم الدول هذه كان كلامياً فحسب، واقتصر على اعلان التزام الاتفاق النووي الايراني، وشجب الانسحاب الأحادي الأميركي.


الرد الإيراني على جبهتين
يلاحظ ميشال دوكلو، الخبير الاستراتيجي والسفير الفرنسي السابق، في موقع معهد مونتاين أن الإيرانيين تأنوا في الرد على الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي وفرض العقوبات من جديد عليهم في تشرين الثاني /نوفمبر الماضي، وكان الباعث على صبرهم هو الأمل في تخفيف إعفاء بعض الدول من العقوبات الاميركية وطأتها عليهم في انتظار نهاية ولاية دونالد ترمب راجين عدم انتخابه من جديد. رد طهران قضى بوقف تصدير فائض اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة، وهذا يؤدي الى زيادة مخزونها "النووي" عن العتبة التي يسمح بها الاتفاق النووي. وأمهلت العاصمة الايرانية الدول الخمس الشريكة في الاتفاق النووي شهرين قبل أن تستأنف تخصيب اليورانيوم على مستويات عالية تخولها الانتقال الى الاستخدام العسكري.


على رغم أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد المسؤول عن الهجمات على ناقلات النفط الإماراتية والسعودية، توجه الشماتة في طهران أصابع الاتهام إليها، على قول ألكسندر فاتنكا في موقع "ميدل إيست إنستيتيوت". فرئیس لجنة الأمن القومي والسیاسة الخارجیة في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بیشة، أعلن على تويتر أن "تفجيرات الفجيرة أثبتت أن أمن جنوب الخليج الفارسي هش كالزجاج"، على ما نقل موقع روسيا اليوم ووكالات أنباء كثيرة. ومثل هذه العمليات في الإمارات والسعودية ترمي، على قول فاتنكا، إلى ردعهما وإعلان أن الحرب على إيران لن تقتصر على الاراضي الايرانية. ويخلص فاتنكا إلى أن طهران، سواء كانت وراء هذه الهجمات أم لا، تريد تجنب اندلاع حرب مباشرة معها. لذا، تسعى إلى عرض عضلاتها لتقييد مخططات خصومها البارزين، في وقت ينزلق الشرق الاوسط من جديد إلى المجهول.


إيران، وهي لطالما عُرفت في دوائر السياسة الاميركية بـ"تاجر السجاد" البارع في أصول التفاوض والمزايدة، توازن بين الإقبال على مواجهة مضمرة ومحدودة وبين طمأنة الداخل الايراني حين تعلن أن الحرب مستبعدة وأنها منيعة لأن الاميركيين ضعفاء. وطهران محنكة في مثل هذه الموازنات. ولم تغفل على سبيل المثال التحذير الاسرائيلي والاميركي من تغير قواعد الرد والردع بين إيران حين تتوسل بأسلحة غير المتكافئة، أي أذرعها في المنطقة، وبين  الاسرائيليين ومن ورائهم الأميركيين، إثر إطلاق الايرانيين صاروخاً باليستياً من قواعد سورية متقدمة في الجولان في كانون الثاني (يناير) المنصرم. فكتب حينها الدبلوماسي الاميركي السابق، دينيس روس، أن الحرب هذه المرة إذا بدأت في لبنان ستتمدد، وقال إن اسرائيل سترد في إيران إذا إنهمرت عليها آلاف الصواريخ من الاراضي اللبنانية والسورية. لذا، يبدو أن الهجمات الاخيرة كانت محدودة النطاق، ولم تخلف غير أضرار مادية قليلة، ولكنها وجهت رسائل كثيرة. فإلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز، استهدفت طائرات الدرون الحوثية (الايرانية؟) الخط البديل السعودي لتصدير نفطها بعيداً عن مضيق هرمز، على ما لاحظ موقع بلومبرغ ونقل عنه موقع روسيا اليوم.  


يرى عدد من المحللين الغربيين، منهم كيلي ماغسامن أن ترامب في الازمة مع إيران يشبه رئيساً يدوس على وقود السيارة، وليس على مكبحها فيفاقم المخاطر وتتعاظم احتمالات الانزلاق إلى حرب. ولكن غيرهم يرى أنه سيدوس على المكابح في اللحظة الأخيرة على مشارف الحرب لأنه لا يرغب في حرب كبرى.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها