آخر تحديث:07:18(بيروت)
الإثنين 15/04/2019
share

الرقص على الإيقاع السوداني

موفق نيربية | الإثنين 15/04/2019
شارك المقال :
الرقص على الإيقاع السوداني Getty ©

تفوح روائح طيبة من جهة السودان هذه الأيام، مع تحرك الجيش لاعتقال البشير، الذي لم تَخفَ على أحدٍ نواياه بأن ينضم إلى "نادي الرؤساء العرب الأبديين"، ثم إجبار رئيس المجلس الانتقالي الأول على التنحي جانباً أمام مطالب السودانيين واعتصامهم العالي الأمواج أمام قيادة القوات المسلحة.

أقوى وأكثر الفاعلين جاذبية في هذا الحراك هو "تجمع المهنيين السودانيين"، الذي أخذ شكله الحالي في أواسط 2018، وتألف من ثمانية تجمعات مهنية، وهو يضمّ الآن: لجنة المعلمين ولجنة أطباء السودان المركزية والتحالف الديموقراطي للمحامين وشبكة الصحفيين السودانيين ورابطة الأطباء البيطريين الديموقراطيين وتجمع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية ولجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين ولجنة الصيادلة المركزية وتجمع المهندسين السودانيين وتجمع التشكيليين السودانيين وجمعية اختصاصيي الإنتاج الحيواني وتجمع ضباط الصحة. وأية "بركة" في هذه النخبة السودانية، نواة الطبقة الوسطى الحية، مع قدرات خاصة في حقلي الوعي وآليات الاستراتيجيا اللازمة؟

نتذكر نحن السوريين، الأكبر سناً، كيف قادت النقابات المهنية السورية مع القوى الديموقراطية تحركاً في منتهى الكفاءة والقابلية للنجاح، وهو كاد بانتفاضته في ربيع 1980 أن يحقق تغييراً يجنبنا المستقبل الأسود التالي، لولا عنف النظام والقوى الإسلامية المتشددة الذي غلب على الصورة، ويكاد يُمحى من التاريخ بريق تلك الانتفاضة السلمية الرائعة.

التأثير الثاني المهم كان لوحدة "قوى الحرية والتغيير" حول إعلانها الذي صدر في مطلع العام الحالي استجابة للحراك الشبابي واتحاداً معه وحوله. ونصَّ ذلك الإعلان بوضوح على هدف إسقاط البشير ونظامه وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على التحضير لانتخابات حرة وديموقراطية ناجزة. اتسعت قاعدة الموقعين على الإعلان لتضم إلى جانب تجمع المهنيين قوى الإجماع ونداء السودان وتجمع الاتحاديين، وبكلمات أخرى، لتضم حزب الأمة والاتحاديين (على تعددهم) والحركة الشعبية والحزب الشيوعي وحزب المؤتمر السوداني (الجديد والمهم) وقوى أخرى عديدة لا تبقي فراغاِ ولا ذريعة لأحد.

التأثير الثالث كان للأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة. وكانت الحكومة ومجلسها الوطني قد أقرا عشية رأس السنة 2018 موازنة هامة رفعت الدولار الجمركي ثلاثة أضعاف ثم إلى سبعة أضعاف في نهاية العام المنصرم، مع نسبة تضخم حول الـ65 في المئة، ما خلق أزمة سيولة وأزمة استيراد كبيرة نتج عنها أزمة كبيرة أيضاً في الوقود، كما رفعت الدعم عن الخبز فضاعفت سعره مرتين أو ثلاثاً أيضاً، مع بطالة تزيد عن 20 في المئة، وهناك عناصر أخرى مختلفة في الأزمة.

كان البشير يعول، كما يبدو، على أصدقائه لحل أزمة التمويل. ذلك كله ساعد على "تحمية" شباب السودان، ولو أنهم كغيرهم من شباب الربيع العربي، لا يركزون في شعاراتهم على الأمور الاقتصادية بمقدار ما يركزون على الحرية والكرامة.

والتأثير الرابع كان لغباء ونهم وتخلّف سلطة البشير ونظامه. وكأن من أقدار الطغاة ألا يروا أبعد من أنوفهم، وأن يغرقهم من حولهم في التراتيل حتى يغيب الشعب من اللوحة أمامهم، ليصبح مجرد جمهور يصفق عند الطلب، ويمكن تأديبه حين يخرج عن الطلب. إلا أن مستوى التطور النسبي للمجتمعين السياسي والمدني في السودان، لم يكن ليسمح له إلا بمقدار محدود من القمع بالمقارنة مع طاغية من طراز الأسد، وكان يكفي البشير هذا المقدار المحدود سابقاً ليديم سلطته ثلاثين عاماً غير معتادة في تاريخ البلاد، وليتوهم أنه قادر على تجاوز أي اختبار وتجربة مع حراك الشعب، ذلك الذي كان صبوراً وحليماً، إلى أن حرّكته دينامية الشباب وإحساسهم بسرعة العالم من حولهم، وأمامهم. وفي باب الذكاء الخارق الذي قد يتحول إلى غباء في هذه الحالة، اعتقد البشير أنه قادر على أن يجمع حوله السعودية وإيران معاً، مثلاً لا حصراً.

وكان التأثير الخامس لاعتماد البشير على جرعة قوية من الأسلمة السياسية، ظل محتمياً بها حتى أيامه الأخيرة في الحكم. وفي الواقع، كان البشير ديكتاتوراً عسكرياً- إسلامياً، جامعاً هذا "المجد" من طرفيه معاً، ولكن جوهره الاستبدادي والسلطوي كان هو الأساس، بحيث يمكن أن يقمع أي إسلامي إذا طمع أو أظهر ما لا يرضي من الطموحات. والمقصود هنا أن ذلك الطابع الإسلاموي قد عزز الطابع المدني لمعارضته، بل ربما الطابع "الحداثوي" أيضاً. وفي ذلك المزيد من التماسك بين الفكر والسياسة، وبين الجمهور والنخبة. ومن هنا ربما جاءت أدوار "تجمع المهنيين" و"حزب المؤتمر" لتنمو ويكون لها دور بارز يشكل صمام أمان للحراك ولآليات العمل والإنجاز. بذلك ربما، أنهى السودانيون مرحلتين بضربة واحدة، وهزموا الاستبداد الذي كان قائماً والثورة المضادة المتوقعة من بعض أجسام الإسلاميين .. معاً!

ولعل العامل السادس هو تأثير الربيع العربي المغدور. وقد يقول السودانيون، وعن حق، أن تاريخهم حافل بالانتفاضات الناجحة، بل إنه من الممكن أن يكونوا قد أعطوا لديناميات الربيع العربي بعض ملامحها. ولكن، مضت عقود على ذلك، وأصبح لتاريخ المنطقة الحديث معادلات أخرى، تجذّر فيها الاستبداد وتبادل الخبرات وأسباب القوة والاستمرار مع "أشقائه". لقد اشتعلت المنطقة كلها مع الربيع العربي، ونحن السوريين، على الأقل، نعرف جيداً كيف كان شباب السودان متفاعلاً مع الثورات العربية، يأخذ الدروس ويستوعبها، ويأخذ القوة والطاقة أيضاً. وقبل أي شيء، كان يستفيد من أخطاء الآخرين، ويستعيد ما هو رائع في تاريخه السوداني.

للشعب السوداني أن يفخر بنخبته وقد قامت بتجديد نفسها وأدواتها، وبشبابه وقد صمموا على تحقيق التغيير (تحية خاصة للمرأة السودانية القوية الفاعلة الرائعة، التي وسمت الثورة بسماتها وجمالها). ها هم يصمدون في الشارع، في مكان رمزي وعملي مهم: أمام قيادة الجيش العامة، أي في مواجهة مباشرة لقوة العنف المحتكَر الكبرى، حتى يكون اختيارها حتمياِ بين الجانبين، إما ذلك الذي يفترضه تاريخها وتركيبها العام، أو ذلك الذي تمثله نخبته أيضاً من أعوان البشير والمستفيدين من نمطه ونظامه المقتنعين بذلك أو المتورطين معه.

لقد حققوا تغييراً في قرارات تلك القيادة مرتين خلال يوم واحد، وأصروا على مطالبهم وبرنامجهم، في محاولة للحفاظ على مؤسسات الدولة من جهة، وتصفية حساب النظام السابق بشكل جذري أيضاً. وما زال الموقف يختزن أخباراً في الأيام التالية، إلا أن طبيعة ذلك الحراك الثوري لا تحتمل الهزيمة!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها