آخر تحديث:10:51(بيروت)
الجمعة 15/03/2019
share

تمثال النظام وتماثيل المعارضة

عبدالله أمين حلاق | الجمعة 15/03/2019
شارك المقال :
تمثال النظام وتماثيل المعارضة Getty ©

قبل ثماني سنوات بالتمام والكمال، أحرق متظاهرو درعا تمثال الأسد الأب معلنين بداية نهاية الأبد السوري. قبل أيام قليلة أعاد الأسد الابن نصب تمثال أبيه في إحدى الساحات العامة في درعا في خطوة استفزازية لا تشير إلا إلى ان النظام يكمل اليوم ما فعله في الأمس بعد أن اقتلع عاطف نجيب أظافر اطفال حوران وأهان أهاليهم. لا غرابة في ذلك. النظام لن يتغير. هذا معطى ثابت كزرقة السماء واتجاه دوران الأرض.

رداً على هذه الخطوة، تظاهر عدد من أهالي درعا البلد ضد النظام، وهم يهتفون بواحد من أكثر الهتافات جذرية في السنوات الثماني الماضية: "عاشت سوريّا ويسقط بشار الأسد". الانتحار، اليأس، الأمل، طبيعة المنطقة التي لا تمكن للنظام إدارتها كما مناطق أخرى بحكم التفاهمات "المرحلية"، كلها تفسيرات قد تكون مقنعة لفهم حالة كتلك التي شهدتها درعا قبل أيام. الفرادة ليست في التظاهرة بحد ذاتها، فهذه عرفتها سوريا آلاف المرات منذ بداية الثورة السورية. الفرادة هي في توقيتها، ذلك أن ما لحق بالبلاد والعباد، والكارثة والتفتت والخراب العميم والقاع الصفصف الذي يعيش فيه سوريون داخل البلاد، وغير ذلك مما ارتكبه الأسد وحلفاؤه بشكل رئيس، هو ما لم يفض إلى نتيجة ولم ينجح في إعادة الناس إلى حظيرة "مملكة الصمت".

"عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد".. هذا شعار يرفع اليوم في سوريا بعد كل ما حصل. شعار لا يشبه انتقادات فاتح جاموس لقناة "الدنيا" مؤخراً. هو ببساطة، ذلك الشعار التوراتي الذي يبدو آتياً من العصور السحيقة أو من تلك الأراضي التي كنا نشاهدها في أفلام العهد القديم. انبعث الشعار والهتاف مجدداً. حتى البعث كحزب لم يعد يستطيع احتكار المفردة "الإحيائية".

في المقابل، تلقف معارضون سياسيون، حزبيون وغير حزبيين، ما جرى في درعا البلد، وبدأوا ببناء السرديات المستجدة أو هم استأنفوا كليشيهات "الثورة المستمرة" و"الثورة الدائمة" بما قد يجعل المرء يتوهم أن هؤلاء متمكنون من نصوص تروتسكي، ويحوزون نظرية وأدوات متماسكة في التفكير. بعد مجازر الكيماوي كان شعار "استمرار الثورة" يُطرح من جديد. بعد السكاكين والسواطير والرصاص الطائفي في البيضا وكرم الزيتون وقلب لوزة وغيرها، كان شعار "الوحدة الوطنية" يطرح على الملأ في فرادة سورية أخرى، وإن تكن مختلفة عن فرادة درعا اليوم.

عشرة متظاهرين في حلب.. الثورة مستمرة. "جبهة النصرة جزء من الثورة"، هذا خطأ فردي وسياسي من أخطاء الثورة. يكتب أحد "القادة الشبان" في أحد الاحزاب السياسية المعارضة ما يلي: "موقف الشعب الكردي بكافة أطيافه، أليس أغلبه مع حزب العمال الكردستاني وأجنحته ومع التقسيم الوهمي؟" فتنهال عليه اللايكات من رفاق حزبه الذي يرفعون شعار "الحزب الحديث".

بالعودة إلى درعا، فإن الحلول السحرية واوهامها تضربان من جديد في صفوف جزء من معارضة لا يزال الغيب والسحر يفعلان فعلهما فيها، وإن ادعت علمانية ما. لا مكان للتفكير والبحث والتحليل والمراجعة لفهم المآلات الراهنة وما لحق بسوريا من تحولات تبدو أقرب إلى الجيولوجيا وانزياح القارات منها إلى التفسير السياسوي لوحده فقط. الرهان على ثورة بالشكل الذي عرفناه عام 2011 استناداً إلى ما حصل في درعا البلد قبل أيام يشير إلى استسهال ما بعده استسهال، وإلى أن ما جرى لم يكن درساً لخلق آليات جديدة في العمل السياسي وفي التفكير لالتقاط لحظة يمكن أن تأتي وتتيح ممكنات جديدة. الحديث عن هذه اللحظة ليس ضرباً من ضروب الوهم وقراءة الكف كما تفعل عرّافات الغجر وعرّافو المعارضة السورية، إنما هي رؤية تنطلق من أن سوريا القديمة قد انتهت ولن تعود (هذا أمر يبعث على الاحتفال بالمناسبة)، لكن سوريا الثورة كما عرفناها في البدايات لن تكون ممكنة أيضاً. هذا استعصاء، والاستعصاء قد يُكسر في لحظة ليتيح ممكنات جديدة ربما سيتم التعامل معها بنفس الطريقة والأدوات. قليل من الشجاعة في إعلان الهزيمة لا يضر. بالعكس، ربما كان الإنكار عائقاً أمام التقاط البدايات الممكنة.

ثمة صنم في سوريا، يبقى سحقه حجرياً وبيولوجياً شرطاً لازماً وغير كاف لسوريا جديدة بغض النظر عن الإمكانيات اليوم، وهذا استعصاء آخر. لكن ثمة أصناماً أخرى لدى المعارضة- المعارضات هي أصنام اللغة، أصنام العمل والتفكير، أصنام الالتفاف على المركّب الأهلي المنبعث من الرماد بزجليات الوحدة الوطنية. أصنام "الثورة السورية المستمرة". الوطنية صنم آخر يشكل مهرباً لمن تضج نفسه بتناقضات الهوية الاولى، مناطقية او عشائرية او طائفية في تعاطيها ورفضها للآخرين. قتل الأب؟ تبديل الجلد إلى جلد آخر؟ ليس بالضرورة، وهو ليس الهدف. فقط قليل من الانسجام مع النفس واحترام الذات وعقول الآخرين والتعاطي مع المشهد المستجد كبداية واستمرار في آن معاً دون أوهام وخواتم خلاصية.

السودان يغلي، وبوتفليقة يؤجل الانتخابات وينصاع للشارع. ثمة مقدمات أخرى مختلفة عن لحظة البوعزيزي بالطبع، لكن ما كان لها أن تكون اليوم من دون تلك اللحظة. واستطراداً، ثمة احتمالات سوريا أخرى تبقى مرهونة بـ"الخارج" وهو ما قد يتيح موضوعياً إطلاق عجلة ما في الداخل والخارج السورييَن معاً من دون الوقوع في الحتميات، ومن دون ترقب النهايات السعيدة كما ترد في حكايا الجدّات قبل النوم. ثماني سنوات على الثورة السورية. يا لها من سوريا!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها