آخر تحديث:14:18(بيروت)
الأحد 20/10/2019
share

اتفاق المنطقة الآمنة: انتصار خاطف.. وهزائم شتى!

موفق نيربية | الأحد 20/10/2019
شارك المقال :
اتفاق المنطقة الآمنة: انتصار خاطف.. وهزائم شتى! Getty ©

هل كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في مشهد مسرحيٍ، الأسبوع الماضي، حين قال للمراسلين بعد التقائه بكتلة حزبه في البرلمان رداً على تساؤلهم حول زيارة بنس وبومبيو: "لن ألتقي بهما (..) سيلتقيان بنظرائهما، أما أنا فلن أتحدث إلا مع ترامب إذا جاء"؟. يأتي هذا التساؤل لأن تصريحات البيت الأبيض في الساعة ذاتها كانت تؤكد على اللقاء يوم الخميس. أم أن همسة عن بعد من ترامب في أذن أردوغان ربما جاء فيها "هدئ من روعك، ولن يحدث إلا ما تريده"؟!

تساؤل بريء تماماً، لأنّ ما جاء في الاتفاق على وقف الأعمال القتالية لمئة وعشرين ساعة في اليوم التالي كان تنفيذاً حرفياً لما كانت أنقرة تطلبه، وهو انسحاب "قوات سوريا الديموقراطية" كشرط وحيد لوقف إطلاق النار، بغض النظر طبعاً عما يمكن أن يحدث في الأيام الخمسة هذه. وربما كان هذا سبب وصف الاتفاق من قبل رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي بأنه "عار"، هو في جوهره تخلٍّ عن الحلفاء السابقين، كان قد ابتدأ بإعلان الانسحاب من المنطقة المعنية، رغم ذلك التعويض الظاهري بعودة تركية أكثر حرارةً إلى مواقعها في الحلف الأطلسي.

الغائب الثابت في اتفاق حول السوريين وأرضهم، هو السوريون أنفسهم، حتى الآن. فسوف يرد ذكر عساكر النظام ورفع أعلامه بشكل أكثر تفصيلاً عندما يأتي دور التباحث التركي- الروسي لاستكمال اتفاق يوم الخميس، حول عين العرب- كوباني، ومنبج، وربما بعض المناطق الأخرى. الأمر المؤكد أن النظام نفسه لن يكون هناك عملياً، ولن يطالب بشيء، وسينفذ ما يقوله الروس وحسب. تصريحات الأسد حول "الرد على العدوان"، وتصريحات مستشارته حول” غموض” الاتفاق، ليست ذات معنى ولا صدى.

في كلمته أمام اجتماع كتلته المشار إليه أعلاه، قال أردوغان إن "تركيا تحترم وحدة الأراضي السورية ووحدتها السياسية. وعندما يتم تأسيس حكومة شرعية تمثل جميع الشرائح في هذا البلد، سنترك لها إدارة الأماكن التي وفّرنا فيها الأمن والاستقرار"، في حين كان قد ورد في تصريحه إلى قناة تركية أنه قال "ليس سلبياً للغاية بالنسبة لي، أن يدخل النظام في منبج. لماذا؟ في النهاية هي أرضهم. لكن من المهم بالنسبة لي أنه لا توجد منظمات إرهابية". ولم تكن في السابق كلّ هذه المشروعية للنظام، التي ضاع الكثير منها على الطريق من دمشق إلى منبج.

السوري الأهم هو الجانب الآخر، الطرف الذي يشارك في القتال في فصائل اتحدّت بجيش "وطني"، وجاءت من مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" إلى منطقة "نبع السلام"، بأوامر تركية وقيادة تركية، لتكون غطاءً سورياً، يتأكّد من خلاله انقسام السوريين إلى كرد من جهة وعرب وتركمان من جهة أخرى، وليتعمّق الشرخ.

محزن أيضاً ازدياد مظاهر اضمحلال "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، وخصوصاً حكومته المؤقتة، وتحولهما إلى مجرد استكمال للديكور التركي اللازم أصولاً للمشهد. وحتى من حيث الشكل، لم يرد أي ذكر للآلاف من المقاتلين السوريين إلى جانب القوات التركية، وأحياناً في مقدمتها أو بعد قصفها التمهيدي. كما لم يرد أي ذكر للائتلاف وحكومته بالطبع.. على موقع الائتلاف، ما يزال الخبر الأول الصامد منذ أيام هو برقية التهنئة التي أرسلها رئيس الائتلاف إلى الرئيس المنتخب في تونس!

السوريون عموماً هم الخاسر الأكبر في إطلاق النار وفي وقفه، وبغض النظر عن نظامهم ومعارضتهم اللذين أصبحا هشيماً، من حيث الدولة ووحدة أراضيها شيئاً، ومن حيث حقهم في التعبير عن إرادتهم وصناعة مستقبله شيئاً آخر.لقد ساق النظام دولتنا إلى الحضيض وأورثها التشتت والتفتت والفشل، وجعل منها نهباً لكل قوى الأرض تمتصها طاقة وكياناً حتى لم يبق منها إلا الجلد دون العظم. وأوصلت نخبنا - ولا فخر- هذا الشعب العظيم بثورته إلى أن يصبح ذكره وذكرها لعنة على العالمين، تستفتح الشعوب العربية حالياً ثوراتها بالبراءة من المثال السوري( والليبي واليمني)، ويستفتح طغاتها إرهابهم بالتهويل بمصائرنا التعيسة هذه.

خسر الكرد أيضاً، من خلال انسحاب "وحدات حماية الشعب" الكردية إلى الخلف، والتهديد بإسكان مليون أو مليونين من اللاجئين في تركيا في المنطقة الآمنة لاحقاً، وبسبب عنجهية من يتكلم ويقاتل باسمهم وتصديقه وعوداً أميركية طالما حذّره منها الكثيرون. ولا أعلم أنهم لو كانوا أكثر انسجاماً في نخبهم السياسية أيضاً وقواهم المنظمة القديمة الممثلة في المجلس الوطني الكردي أو خارجه، وأكثر وطنية والتصاقاً بالمصير السوري، وبحقهم في هذه "السورية" منذ الثورة في عامها الأول.. لا أعلم هل سيكونون أفضل من حالهم التي تسلمها حزب "الاتحاد الديموقراطي" واحتكرها وراح يخترع في أشكال الحكم الشمولية معتقداً أن استقواءه بالأمريكي سيعصمه من غدره يوم يأتي يوم ذبْح الثور الأسود، وبيعه بأسهل الوسائل وأرخصها.

في مقالة له نُشرت في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية مؤخراً، قال الرئيس التركي "ليس لجامعة الدول العربية التي لا تعكس تصريحاتها الآراء والمشاعر الحقيقية للشعب العربي، أي شرعية". مدفوعاً على الأغلب بما جاء في اجتماع الجامعة العربية الذي ندد بـ"الغزو التركي"، في حين أن تلك المبادرة العسكرية ذاتها هي ما لمّ شملَ ذلك الاجتماع اجتماعاً على الطرف التركي، وساعد على استعادة شيء من تلك الشرعية المخدوشة. ولا بأس هنا بالإشارة إلى أن الرئيس التركي قد افتتح تلك المقالة ذاتها بإطلاق تسمية الحرب الأهلية على ثورة السوريين التي اندلعت في عام 2011، وحولتها تدخلات القوى الإقليمية قبل الدولية إلى حرب أهلية.

لم يبق لنا إلا الفرح بوقف إطلاق النار واللهفة إليه، وإلا تمني أن تقود أرجل الباعة اهتمامهم إلى سوق إدلب ولا تجد كذلك إلا وقف إطلاق النار أيضاً لتقايض عليه، وأن تروح "هيئة تحرير الشام" وحلفاؤها إلى الزوال والاضمحلال، قبل أن تعيد سيرتها في تصنيع إمارة أو خلافة جديدة. مع أن كل الدلائل تشير إلى احتمال مختلف في استيقاظ "داعش" من نومته بعد العملية العسكرية في شمال شرق سوريا والاتفاق الذي تلاها، لينتعش من جديد ويأخذ قوةً من هزيمة من كان أداةً للتغلب عليها، وقبل ذلك من انسحاب الأمريكيين.

يشعر الأوروبيون حالياً، وهم نظرياً من حملة الأسهم الكبار، بأنهم أُهملوا وتمّ إغفال رأيهم، وسيحاولون شيئاً خلال الأيام المقبلة، من خلال ألمانيا وفرنسا وبريطانيا على الأقل. وهنالك احتمال ضئيل في أن تساعد فوضى السياسة الدولية الآن في المنطقة على تخليق حالة أكثر عقلانية، ولو بقليل.

ربحت تركيا أولاً، وحققت قفزة باتجاه تحقيق المنطقة الآمنة التي عملت من أجلها أعواماً، واستعاد ترامب جنوده تحضيراً لمعاركه الداخلية القادمة مع خسارته لمصداقية بلاده، وربح المدنيون أرواحهم ودماءهم مؤقتاً.. وخسرنا نحن جميعاً، نحن حملة أقل عدد من الأسهم في بلادنا. ولعلنا في خسائرنا المشتركة هذه عرباً وكرداً، نربح شيئاً كسوريين!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها