يبدو أن سمة السياسيين والحكام والمسؤولين هذه الأيام في معظم الدول، هي استخدام طرق المجرمين والعصابات في تصرفاتهم وحتى خطاباتهم، فما كان يمر عبو القنوات الرسمية السرية، أصبح يتم بشكل علني وبشكل إجرامي، وتبدو ثورة الاتصالات والتقنيات لم تعد فقط لتغطية الأحداث والتواصل، بل أضحت أداة لاستعراض العضلات والجرائم من قبل مرتكبيها، وعليه يمكن القول إن ما يميز السياسيين والحكام الحاليين، هو تطبيق مبدأ إن لم تستح فافعل ما تشاء.
ما حصل في قضية الصحافي جمال خاشجقي، لم يكن القضية الأولى في استعراض مجرمي هذه الأيام مرتدي البدلات الرسمية والجالسين على كراسي الحكم، لعضلاتهم وقدراتهم الإجرامية، فما يحدث في سوريا واليمن وميانمار وغيرها من الدول، أصبح يدين هؤلاء الحكام، فهم يرتكبون الجرائم بكل وضوح وعلنية ولكن لا يبقى من تفاصيل هذه الجرائم سوى اعتراف مرتكبيها وبشكل أكثر تبجحاً على ارتكابهم لها، وتبقى المسؤولية الفردية في ارتكاب الجرائم هي الأساس في حالة الجرائم ضد الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وتبقى الدولة مسؤولة عن ارتكابها لانتهاكاتها لحقوق الإنسان تجاه المواطنين/ات فيها، وفي الوقت نفسه سلطت هذه الجريمة مرة أخرى الضوء على الجرائم التي يرتكبها الدبلوماسيون ويفلتون بسبب حصانتهم من الملاحقة القضائية.
وفي قضية خاشجقي التي لا تزال تتكشف تفاصيلها، يمكن القول إن العديد من الانتهاكات والجرائم ارتكبت بحقه، بدءاً من الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري ونهاية بالقتل والتمثيل بجثمانه وإخفائه.
أضحت هذه القضية محور الاهتمام العالمي لأنها اُرتكبت ضد صحافي على أرض قنصلية دولة تقع ضمن دولة ذات سيادة، مما يجعل هذه الجريمة أكثر تعقيداً، ومرة أخرى تضع هذه الجريمة اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية تحت الضوء، ومدى اهمية التمتع بالحصانة الدبلوماسية في مواجهة تطبيق تطبيق القوانين الدولية أو الوطنية، على الدبلوماسيين الذين يقترفون الجرائم.
الجريمة في ظل اتفاقية فيينا للبعثات الدبلوماسية
تعتبر مساحة الأرض التي تقام عليها البعثة الدبلوماسية لدولة ما هي ملك هذه الدولة لا ملك الدولة المستضيفة، وبالتالي تخضع السفارة لسيادة دولتها وقوانينها، وبالتالي فإن أي جريمة تقع داخل هذه السفارة لا يمكن لأمن الدولة المستضيفة أن تطبق قوانينها، وفق المادة 31 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، التي تمنح الحصانة لموظفي البعثات الدبلوماسية ومقر البعثة، إلا في حال وافقت الدولة التي تتبع لها السفارة على دخول الأمن والتحقيق في الجريمة داخل مقر هذه البعثة، وفي حال رفضها لا يمكن فعل أي شيء تجاه مرتكب هذه الجريمة باستثناء إعلانه شخصا غير مرغوب فيه وترحيله إلى دولته.
في قضية خاشجقي، المشتبه بهم الرئيسيين قدموا من السعودية ودول أخرى وغادروا فوراً بعد إرتكاب جريمتهم، ولحقهم القنصل السعودي بعد بضعة أيام، لذلك وفق اتفاقية فيينا، فإن الصلاحية القانونية في محاكمة هؤلاء الأشخاص ستكون للسعودية، مثل قضية السفير البورمي الذي قتل زوجته وأحرقها عام 1967، حيث لم تتمكن الشرطة السريلانكية من فعل أي شيء تجاهه باستثناء ترحيله إلى بورما حيث تمت محاكمته في دولته.
وإن كان هناك حديث عن ارتكاب بعض الأفعال الجرمية في هذه القضية خارج حدود القنصلية السعودية، فيمكن النظر في هذه الحالة إلى قضية مقتل شرطية بريطانية في حادث إطلاق نار من داخل السفارة الليبية في لندن أثناء مظاهرة معارضة للنظام الليبي أمام السفارة الليبية عام 1984؛ حيث أعلنت بريطانيا الدبلوماسيين الليبيين كأشخاص غير مرغوب فيهم وقامت بترحيلهم جميعا إلى ليبيا وأعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين حتى عام ،1999 عندما اعترفت ليبيا بمسؤوليتها عن الحادثة ودفعت تعويضات لأسرة الشرطية القتيلة، ولا تزال السلطات البريطانية تسعى وراء المشتبه بهم.
وتأتي مطالبة الرئيس التركي للحكومة السعودية بأن تكون محاكمة مرتكبي هذه الجريمة أمام القضاء التركي مجرد محاولة، تخضع لرغبة السعودية ومدى جدية الضغوط الدولية على حكومة السعودية، وقد سبق أن أدت هذه الضغوطات إلى مثل هذه النتيجة، في حال قامت دولة الجاني رفع الحصانة الدبلوماسية عن الدبلوماسي القاتل لتتمكن الدولة المضيفة التي ارتكب فيها جريمته من محاسبته ومعاقبته مثلما قامت جورجيا عام 1997 برفع الحصانة الدبلوماسية عن قنصلها لدى الولايات المتحدة بعد ارتكابه جريمة قتل بدهس فتاة تحت تأثير الكحول، حيث قامت الولايات المتحدة بمحاكمته وحكم على الدبلوماسي بالسجن لمدد تتراوح بين سبعة أعوام و21 عاما ولكن تم ترحيله إلى جورجيا بعد أن أمضى ثلاثة أعوام.
ويمكن كذلك لدولة الجاني الاعتذار وإدانة الجريمة ودفع تعويضات للضحايا، ويمكنها محاكمته ومحاسبته بعد ترحيله إليها في حال عدم رفع الحصانة عنه في حال كانت الضحية تحمل جنسية الدولة المستضيفة، وهنا الضحية يحمل الجنسية السعودية وإن كان يقيم في أراضي الولايات المتحدة الأميركية، ومن الممكن ان تدعي الحكومة السعودية أن من قام بالجريمة يتمتعون بصفة دبلوماسية حتى تعيق محاكمتهم في تركيا، كما حدث في قضية رايموند ديفيز، الذي قتل رجلين باكستانيين في مدينة لاهور الباكستانية وزعمت الحكومة الأميركية، أنه أحد أفراد بعثتها القنصلية الدبلوماسية في لاهور، وأثبتت التحقيقات لاحقاً أنه جندي أميركي سابق يعمل في شركة أمنية خاصة متعاقدة مع وكالة المخابرات الأميركية، وفي المحصلة تم إطلاق سراحه بعد دفع تعويضات لأسرة الضحايا واعتذار ريموند عن جريمته.
آليات محاسبة الحكومة السعودية
بتاريخ 23/9/1997 انضمت السعودية إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، مع تحفظها على: المادة (20)، حيث لم تعترف بصلاحيات لجنة مناهضة التعذيب الواردة في هذه المادة، والفقرة (1) من المادة (30) بشأن إحالة النزاع بين دولتين أو أكثر في ما يتعلق بتفسير هذه الاتفاقية أو تنفيذها إلى محكمة العدل الدولية، حيث لم تُلزم نفسها بما ورد فيها، ولكن مع ذلك فإن هذه الاتفاقية قد تكون المفتاح لمحاكمة دولية أمام الدول التي لديها الولاية القضائية العالمية، والتي تعطي هذه الدول الصلاحية في توجيه الاتهامات ومحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة مثل التعذيب والجرائم ضد الإنسانية أمام محاكمها الوطنية، حتى في حال كان الجاني او الضحية من جنسية دول اخرى أو كانت الجريمة قد اُرتكبت خارج حدودها المحاكم المحلية، خاصة في ضوء أن أسماء العديد ممن شاركوا في تنفيذ الجريمة أضحت معروفة.
وفي ظل الحديث عن دور الحكومة السعودية على أعلى المستويات في التخطيط والتنفيذ لهذه الجريمة أو العلم بتفاصيلها، تجد الحكومة السعودية نفسها أمام تعالي الأصوات التي تطالب بفتح الأبوباب الممكنة أمام اتباع الآليات الدولية لمحاسبتها كدولة أو لمحاسبة الأفراد الذين قاموا بارتكاب هذه الجريمة وخططوا لها، فعلى الرغم من أن الحكومة السعودية حتى تاريخه لم تنضم إلى اتفاقية الاختفاء القسري، إلا أنه يمكن اللجوء إلى تقديم شكوى أمام الفريق الدولي المعني بحالات الإخفاء القسري، كذلك يمكن تقديم شكوى أمام المقرر الخاص المعني بالإعدام خارج نطاق القانون، بموجب المبادئ المتعلقة بالمنع والتقصي الفعالين لحالات الإعدام خارج نطاق القانون وتعسفاً وبإجراءات موجزة، والتي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في قراره 1989/65 المؤرخ 24 أيار/مايو 1989، حيث ينص المبدأ 4 منها، على التزام الحكومات بأن تكفل، بالوسائل القضائية وغيرها من الوسائل، حماية فعالة للأفراد والمجموعات المعرضين لخطر الإعدام خارج نطاق القانون أو تعسفاً أو بإجراءات موجزة، بمن في ذلك من يتلقون تهديدات بالقتل.
وحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، التي يُطلب إلى المقرر الخاص تقصيها، تشمل مجموعة متنوعة من الحالات. ويقع في نطاق ولايته كل ما يفعله ويغفل فعله ممثلو الدولة ويشكل انتهاكاً للاعتراف العام بالحق في الحياة المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 3) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 6 وأيضاً المواد 2 و4، الفقرة 2، و26، وكذلك، بصفة خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، المادتان 14 و15)، فضلاً عن عدد من المعاهدات والقرارات والاتفاقيات والإعلانات الأخرى التي اعتمدتها الهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.
هل يمكن للحكومة التركية تجاوز كل هذه الخيارات؟
قد تلعب جنسية خطيبة الضحية التركية دوراً أكبر في إعطاء الهامش للحكومة التركية في ممارسة المزيد من الضغوطات في هذا السياق، من حيث المطالبة بمحاكمة منفذي هذه الجريمة امام القضاء التركي، كما طالب بذلك الرئيس التركي يوم 23/10/2018، ولكن يبدو ذلك من الصعوبة بمكان وفق إتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية 1963، حيث لا يمكن إخضاع الموظفين القنصليين للاعتقال أو الاحتجاز الاحتياطي إلا في حالة الجرم الخطير بموجب قرار السلطة القضائية، وعلى الرغم من خطورة هذه الجريمة إلا أن جميع المشتبه بهم قد غادروا الأراضي التركية، مما يستدعي مطالبة السلطات التركية للسلطات السعودية بتسليم المشتبه بهم، في ظل عدم وجود اتفاقية لتسليم المجرمين بين البلدين.
الخيارات الأخرى
يطالب بعض أعضاء الكونغرس الأميركي بتطبيق قانون ماغنيتسكي الذي سنته الولايات المتحدة الأميركية عام 2016 لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان من المسؤولين الحكوميين عبر العالم.
ويخول قانون جلوبال ماغنيتسكي الرئيس، الصلاحية في عرقلة أو إلغاء تأشيرات بعض الأشخاص الأجانب، أفراداً وكيانات على حد السواء، أو فرض عقوبات على الممتلكات عليهم، كما يمكن معاقبة الأشخاص في الحالات التالية:
1- إذا كانوا مسؤولين عن أو تصرفوا كعميل لشخص مسؤول عن "القتل خارج نطاق القضاء أو التعذيب أو غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً".
2- إذا كانوا مسؤولين حكوميين أو شركاء رفيعي المستوى. من المسؤولين الحكوميين المتواطئين في "أعمال الفساد الكبيرة".
ويمكن أن يتبع الاتحاد الأوربي نفس القيود على حركة المشاركين في الجريمة او منفذيها، أو فرض عقوبات اقتصادية على المسؤولين الحكوميين السعوديين أو على التجارة مع السعودية وخاصة تجارة الأسلحة.
في الحصيلة.. لا يجب أن تكون الحصانة الدبلوماسية سبيلاً للإفلات من العقاب، للمجرمين ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من ممثلي الدول دبلوماسياً، فغاية هذه الحصانة هي تسهيل قيام ممثلي الدول الأجنبية من القيام بوظائفهم من دون مواجهة أي عراقيل، أو إخضاعهم لمحاكمات انتقامية في دولة معادية لدولهم، لا أن تكون الوسيلة المريحة للإفلات من العقاب لمن يرتكب جريمته وهو يرتدي بزته الرسمية المزينة بشعار دولته.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها