آخر تحديث:08:24(بيروت)
الجمعة 03/08/2018
share

فصائل الغوطة في الشمال: ولادة قيصرية لـ" ثوار دمشق"

أيمن أبو المجد | الجمعة 03/08/2018
شارك المقال :
  • 0

فصائل الغوطة في الشمال: ولادة قيصرية لـ" ثوار دمشق" رحلة البحث عن الدعم (Getty)
تتنافس فصائل الغوطة الشرقية المتواجدة في الشمال السوري على إعادة هيكلة ذاتها وإيجاد موطئ قدم لها بين كبرى فصائل المنطقة محاولةً الانخراط مجدداً في المشهدين العسكري والسياسي. وتسعى تلك الفصائل إلى استقطاب الشبان المُهجّرين من خلال دعوتهم للانضمام إلى صفوفها باستخدام وسائل الترغيب المادية والمعنوية وتقديم الوعود المستقبلية.

وشهدت ساحة الشمال تغييرات جوهرية على تركيبة ومسلك ووجود فصائل الغوطة من حيث إحداث الفصائل أو ترميمها أو تلاشيها، ومن أهم تلك التغيرات انسلاخ مجموعات من "الاتحاد الإسلامي" سابقاً عن "فيلق الرحمن" بغرض تشكيل فصيل جديد اقترح له اسم مؤقت: "ثوار دمشق"، على أن يقوده الشيخ "أبو العبد" القائد السابق لـ"الاتحاد الإسلامي" قبل انضمامه إلى "فيلق الرحمن" في شباط/فبراير 2016.

وجاء خروج "الاتحاد" عن "فيلق الرحمن" بعد خلافات متراكمة تعود إلى ما قبل تهجير أهالي الغوطة الشرقية، وأهمها تفرد قائد "فيلق الرحمن" النقيب عبدالناصر شمير، بالقرارات المصيرية، وتجاوز مجلس الشورى الذي يضم عدداً من قادة "الاتحاد". ويعرف عن "الاتحاد" رغبته بالمشاركة بصنع القرارات المصيرية، وكان ذلك سبب مشاركته بتعطيل "القيادة العسكرية الموحدة" للغوطة بعد تفرّد قائد "جيش الإسلام" زهران علوش، بقراراتها.

وبلغت الخلافات بين "الاتحاد" و"الفيلق" أشدها خلال فترة التهجير والفوضى التي عمّت في الغوطة الشرقية، وأصبح لدى الفريقين الرغبة بالانفصال، خاصة بعد الاتهامات الموجهة إلى "الفيلق" تارةً بالعلمانية، كونه لا يحمل شعارات إسلامية، ومرة بالإخوانية بسبب انضمام مشايخ "الهيئة الشرعية" إلى صفوفه ومحاولتهم إضفاء الطابع الديني عليه. انضمام "الاتحاد الإسلامي" إلى "فيلق الرحمن"، لم يكن رغبةً في تطبيق قوله تعالى "واعتصموا.."، وإنما هرباً من تغول "جيش الإسلام".

وبعد استتباب الأوضاع المعيشية لمهجري الغوطة الشرقية وتثبيت أماكن إقامتهم في الشمال السوري، دعا "أبو العبد" شباب الغوطة، خاصة عناصر "الفيلق" المناوئين لـ"أبي النصر"، للانضمام إلى فصيله الجديد، كما دعا "أبو العبد" مختلف فصائل المعارضة المُهجّرة من جنوب دمشق وداريا والمعضمية والتل والهامة وقدسيا وغيرها، للانضمام، مقدّماً فصيله على أنه مشروع جامع لكافة ثوار دمشق وريفها.

ويبدو أن الفصيل الجديد لم يحصل على الدعم المادي والمعنوي الكافي من الجهات الفاعلة في الشمال السوري، خاصة الطرف التركي. فلم يعطِ الاتراك لـ"ثوار دمشق" الاعتراف الحقيقي ولا الامتيازات اللازمة للانطلاق بقوة كغيره من الفصائل. واعتمد "أبو العبد" على المساعي الشخصية لقادة "الاتحاد" لاستقطاب العناصر، خاصة من حملة السلاح، إذ يفتقر التشكيل الجديد للسلاح اللازم والدعم المادي. ورفض قادة "الاتحاد الإسلامي" خلال اجتماع مع قادة "الفيلق" تسليم الأسلحة الفردية التي حملها عناصرهم خلال رحلة التهجير واعتبروها حقاً لهم. واستطاع "أبو العبد" الحصول على قطعة أرض في ريف عفرين من أحد فصائل الشمال لتجهيزها كمعسكر تدريب لعناصره ولتكون منطقة تمركز لهم.

"فيلق الرحمن" كان الأوفر حظاً بين فصائل الغوطة، بل بين جميع الفصائل المُهجّرة، إذ حاز على رضا وموافقة الأتراك باستئناف عمله العسكري في منطقة عمليات "غصن الزيتون" في عفرين. وقد منحه الأتراك معسكراً تدريبياً في "اللواء 135 دفاع جوي" في قرية قيبار شمالي مدينة عفرين، والذي كان معسكراً سابقاً لمليشيا "العمال الكردستاني"، والواقع على جبل عال يرصد كل ما يحيط به. وأعدّت قيادة "الفيلق" معسكر قيبار ليكون معقلاً رئيسياً لها، وباشر عناصر "الفيلق" بتجهيزه هندسياً، فزرعوا الأشجار الحراجية، وبنوا البلوكوسات وحفروا الخنادق الدفاعية. ودعا "الفيلق" الشباب للانضمام إلى صفوفه، وخصص لهم رواتب شهرية، واشترط للقبول في صفوفه أعمار الشبان ما بين 18- 30 عاماً، مستثنياً المنضمين إليه سابقاً ولم يتخلفوا عنه، وأسند إليهم مهاماً إدارية.

مصدر مقرب من قيادة "فيلق الرحمن" قال لـ"المدن": "سياسة فيلق الرحمن باستقطاب العناصر في الشمال السوري تختلف عن سياسته في الغوطة الشرقية حيث سعى سابقاً إلى جمع الكم لتغطية عدد النقاط الكبيرة التي يربطها بالإضافة إلى حاجته لأعداد كبيرة قد يدفعها في مواجه ندّه جيش الإسلام، أما في عهده الجديد يعمل الفيلق على اختيار النوع والكفاءات من خلال اشتراط الأعمار والخبرات العسكرية واللياقة البدنية. ويعمل الفيلق على شراء الأسلحة بأنواعها والمعدات الهندسية ليدخل ملعب فصائل الشمال من باب النجومية".

ووزع "الفيلق" عناصره على خمس كتائب نظمها بشكل أفضل من السابق وتجاوز عدد منتسبيه الإجمالي 1000 مقاتل تم توزيعهم على ثلاث مناوبات في المعسكر. وبعض العناصر مقيم بشكل دائم، فيتواجد ضمن المعسكر 500 مقاتل في كل مناوبة. وانضم إلى "الفيلق" ما يزيد على 250 مقاتلاً من مهجري ريف حمص الشمالي، خاصة من مدينة الرستن مسقط رأس قائده عبدالناصر شمير، ويضم هذا العدد ضباطاً منشقين ذوي خبرات عسكرية مميزة. وأصبح مقاتلو ريف حمص ركيزة أساسية للفيلق بشكل عام ولقائده شمير بشكل خاص، وبذلك لم يعد يخشى شمير من خروج مقاتلي الغوطة من صفوفه باتجاه فصائل أخرى.

وقد شهد معسكر قيبار زيارات لضباط أتراك عاينوا خلالها التدريبات العسكرية والتحصينات الهندسية وذلك يدل على الرضا التركي عن أداء "الفيلق". ويجري الحديث عن الرعاية التركية لـ"الفيلق"، ربما لإسناد مهمة حماية مدينة عفرين إليه مستقبلاً، وتعدّ هذه ميزة له عن باقي الفصائل وتمنحه منطقة نفوذ استراتيجية تربط ريف حلب الشمالي مع الغربي.

لم ينل "جيش الاسلام" من الرضا التركي ما ناله ندّه التقليدي، ربما بسبب علاقة "جيش الاسلام" السابقة بالسعودية وتذبذب مواقف الجيش السابقة مع العديد من الدول، وعدم سيره على نهج واضح. ويحاول "الجيش" الارتكاز على بعض فصائل الشمال كـ"لواء المعتصم" و"لواء الحمزة"، وتوطيد علاقته معهم إلى أن يصبح ذا شوكة بالعدد والعتاد، وينال رضا الجانب التركي لأخذ دوره في الشمال السوري أسوة بـ"الفيلق". وقد اشترى "الجيش" مساحات يقوم بتجهيزها كمقرات عسكرية ومبانٍ سكنية لمقاتليه.

واختلف مسلك "حركة أحرار الشام" و"هيئة تحرير الشام" الخارجتين من الغوطة الشرقية عن بقية الفصائل المهجّرة، بسبب ارتباطهما بقيادة مركزية في الشمال. فالتحق كل فصيل بقيادته المركزية، وأنشأ مقاتلو الغوطة من "الأحرار" معسكرين؛ الأول في مدينة معرة النعمان بريف إدلب، والآخر في مدينة عفرين شمالي حلب. والتحق بالمعسكرين مقاتلو "الحركة" وبعض المقاتلين من "لواء فجر الأمة" الذي انضم إلى "الحركة" في أيار/مايو 2017 وذاب بعد التهجير. ويتناوب عناصر "الحركة" على نقاط رباط فصيلهم الأم على جبهات الشمال.

عناصر "هيئة تحرير الشام" حافظوا على وحدتهم في الشمال مثلما حافظوا عليها في الغوطة الشرقية رغم المخاطر التي واجهتهم آنذاك. وشكلوا في الشمال "جيش الغوطة" التابع لـ"هيئة تحرير الشام" بقيادة الشيخ "أبو عاصم" الأمير الأسبق لـ"الهيئة" في الغوطة. وحصلوا على نقاط رباط في حي الليرمون بمدينة حلب، إلى جانب "جيش الشام" الذي يقوده "أبو مالك التلي" و"جيش حلب". ولم يعانِ "جيش الغوطة" كباقي الفصائل من صعوبات الحصول على المقرات ونقاط الرباط، وإنما أصبح الطرف الأقوى في الشمال، بعكس ما كان عليه في الغوطة الشرقية، وتوفرت لديه الأسلحة الثقيلة والمعدات اللوجستية والبدلات المالية للعناصر.

لا تعدّ التركيبة الحالية لفصائل الغوطة في الشمال، النسخة النهائية من تكوينها. فمستقبل "هيئة تحرير الشام" ما زال مجهولاً خاصة أن التطورات العسكرية المقبلة ستحدث تغييرات جوهرية على الأرض. كما أن ولادة " ثوار دمشق" القيصرية لم تنجح بعد حتى تكتب لها الحياة، ومستقبل وجود "الجيش" و"الفيلق" مرتبط بالرضا التركي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها