آخر تحديث:08:45(بيروت)
الثلاثاء 24/07/2018
share

كيف تحتكر روسيا توريد القمح إلى سوريا؟

مروان كيالي | الثلاثاء 24/07/2018
شارك المقال :
كيف تحتكر روسيا توريد القمح إلى سوريا؟ أحد أشكال تسديد فواتير الحرب الروسية (Getty)
ما زال النظام السوري يعتمد على القمح الروسي المستورد لتغطية العجز في الإنتاج المحلي، رغم المحاولات لخرق العقوبات الغربية والتوجه لأسواق جديدة. وعدا عن الفرق في الجودة بين القمحين لصالح القمح السوري، وارتفاع سعر القمح الروسي عالمياً، فإن استيراده من روسيا قد لا يغدو أكثر من أحد أشكال تسديد فواتير الحرب الروسية في سوريا.

وبعدما كان الإنتاج السنوي للقمح السوري يصل إلى 4 ملايين طن سنوياً، تشير تقديرات منظمة "الفاو" في تقريرها للعام 2017 إلى أن إجمالي الإنتاج السوري قد بلغ 1.8 طن. ويبقى هذا الرقم دون المستوى المطلوب، حتى لو افترضنا أنه سُلّم بالكامل إلى مؤسسات الحكومة.

على الرغم من الحروب و"التسويات" و"المصالحات" التي ينفذها النظام، إلا أنه لم يتمكن من استعادة كامل المساحات المزروعة بالقمح في حلب والرقة وديرالزور ودرعا، والتي كانت تشكل النصف المكمّل لإنتاج محافظة الحسكة من محصول القمح السنوي. وخرج محصول القمح في الحسكة بالكامل عن سيطرة النظام، وسط مفاوضات متواصلة بين "قوات سوريا الديموقراطية" والنظام لاستعادته.

وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عبدالله الغربي، قال في تسجيل مصور عن "واقع مؤسسة الحبوب": "نستورد اليوم القمح الروسي بواقع 200 دولار أميركي للطن الواحد، بينما نشتريه من المزارعين السوريين بواقع 190 ألف ليرة سورية للطن الواحد أي حوالي 422 دولاراً". ولم يخفِ الغربي "الفضل" الذي تقدمه حكومته للفلاحين السوريين بدعم سعر طن المازوت للفلاحين ليصل إلى 15000 ليرة سورية. إذ عمل النظام مؤخراً على رفع سعر طن القمح المشترى من المزارعين إلى 175000 بعدما كان حوالي 140000 ليرة سورية، ويضاف له دعم المازوت بـ15000، ليصبح سعر الشراء 190000 ليرة سورية للطن الواحد.

استيراد القمح من روسيا هو أحد طرق تسديد الفواتير المترتبة على النظام جراء الحرب التي يشنها على الشعب. وقد أصبح التوجه إلى الاستيراد من روسيا حصراً نهجاً متبعاً، كان آخره إعلان الغربي تعاقد الحكومة لشراء 3 ملايين طن في سبتمبر/أيلول 2017. وهو ما يظهر عجزاً واضحاً عن استجرار القمح حتى من المناطق التي تمت إعادة السيطرة عليها. وكالات موالية أشارت إلى أن اجتماعاً عُقِدَ في تموز/يوليو، بين الوزير الغربي، ووفد روسي لبحث طرق جديدة لاستيراد القمح الروسي، مقابل تصدير الخضار والفواكه من سوريا.

ويعتمد النظام على استيراد القمح الروسي رغم أن سعر استيراد الطن منه (200 دولار) بحاجة للانخفاض ما بين 3 إلى 5 دولارات ليعود إلى التنافس في السوق العالمية، التي يتراوح سعر الطن فيها ما بين 184.09 و198 دولاراً. النظام السوري لم يحصل على أسعار منافسة من روسيا، مقارنة بالصفقة الأخيرة التي استوردتها مصر بسعر 198 دولار للطن الواحد.

ولا ينافس القمح الروسي نظيره السوري من حيث البذرة والجودة، إذ يمتاز القمح السوري بتنوعه، من القمح القاسي المناسب لصناعة المعكرونة والبرغل، إلى الطري لصناعة الخبز. ويعتمد ذلك على طريقة ري القمح، والمرونة في زراعته. كما يتميز القمح السوري بزيادة الغلة في وحدة المساحة، إذ تنتج البذرة الواحدة عدة سنابل.

ورغم أن استيراد القمح هو خارج العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، إلا أن آلية تسديد عمليات الشراء قد تتعرض لمشاكل متنوعة، بسبب العقوبات على التحويلات المالية والتعامل مع البنوك الخارجية. لكن النظام وبالتعاون مع عدد من المصارف، استطاع كسر العقوبات لتسديد الفواتير اللازمة لبعض المنتجات الرئيسية مثل القمح.

وتحدُّ العقوبات الاقتصادية من قدرة النظام في الحصول على تسهيلات ائتمانية لتمويل عمليات الاستيراد، ولا يمكن لأي مصرف، باستثناء بعض المصارف الإسلامية من الدخول في هذه المغامرة. فلقد قلصت العقوبات من عدد البنوك "المُراسلة" التي يمكن التعامل معها، والتي تأخذ دور الوسيط في إتمام صفقات الاستيراد والتحويلات المالية بين المصارف المحلية والأجنبية. ومع ذلك، فللمصارف الإسلامية دور كبير في الالتفاف على العقوبات. "بنك البركة-سوريا" ما زال يعمل مع مصرفه المراسل "بنك البركة–تركيا"، أما "بنك الشام الإسلامي" فلديه العديد من المصارف المراسلة كـ"بنك بوبيان" و"بنك أبوظبي الإسلامي" في الإمارات العربية المتحدة.

ويبرز رجل الأعمال السوري طريف الأخرس، كأحد أهم مستوردي القمح، عبر شركات خارجية متعددة أهمها "مد ترد" اللبنانية. وعلى الرغم من تنوع سوق شراء القمح العالمي، إلا أن "مد ترد"، وعبر العديد من فروعها حول العالم تعمل على استيراد القمح الروسي بشكل منتظم، ثم تعيد تصديره برّاً إلى سوريا.

الشركات الخارجية "أوف شور" التي تم تأسيسها أو التعامل معها بعد العام 2011 لخدمة النظام باتت مستهدفة من قبل المؤسسات الدولية المنظمة لأعمال التجارة الخارجية كمنظمة "سويفت" الخاصة بالتحويلات البنكية العالمية، ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي "أوفاك". وقد تؤدي تلك الإجراءات إلى أضرار كبيرة للمصرف الذي يقع عليه الاختيار لتنفيذ عملية تسدد ثمن القمح؛ في حال تم تجميد حسابات عملية التحويل في الخارج، أو إدراج اسم المصرف المتعامل على لائحة العقوبات. إذ تُقدم بعض الشركات "أوف شور" على استجرار كميات كبيرة من القمح ذات المنشأ الروسي من خلال مكاتب لها أو فروع موجودة في أوكرانيا، على الأغلب، لصالح الحكومة السورية. وتقوم "سويفت" و"أوفاك" برصد عمليات تحويل الأموال عبر جميع البنوك والشركات المساهمة في عمليات تسديد الاعتمادات والتحويلات المالية. وعليه فإن أي تعامل ملحوظ مع الحكومة السورية، قد يكون له دور في فرض عقوبات جديدة على الشركات الخارجية ومن يتعاون معها من مصارف محلية، كما حصل مع بنك "الشام" الإسلامي منذ عام تقريباً.

وفي ظل عدم وجود بوادر منظورة لرفع العقوبات الأوروبية والأميركية على النظام، فلا يمكن التنبؤ بحجم الأعمال غير الشرعية الكبيرة التي ستحكم عملية استيراد القمح من روسيا، ما يرفع سعرها عن مثيلاتها في الهند والصين وباكستان. وفي ظل كل هذه التعقيدات، يبدو أن الجانب الروسي مرتاح لورطة النظام، محتكراً توريد القمح إلى سوريا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها