آخر تحديث:17:21(بيروت)
الثلاثاء 12/06/2018
share

روسيا تستحق بؤسها

بسام مقداد | الثلاثاء 12/06/2018
شارك المقال :
  • 0

روسيا تستحق بؤسها Getty ©

للمرة السادسة عشرة منذ توليه عرش روسيا، خرج الرئيس فلاديمير بوتين، الخميس الماضي، في عراضته التلفزيونية الدورية على مدى أربع ساعات ونصف الساعة، لم تنل سوريا سوى دقائق قليلة منها.

لم يأت بوتين بجديد في الأمر، سوى القول مباشرة إن لروسيا مصالح إقتصادية في سوريا، وأنها لن تسحب قواتها من هناك "طالما هذا مفيد لروسيا". وما تبقى من كلامه في هذا الشأن كان تكراراً لما سبق وذكره حول محاربة الإرهابيين في سوريا قبل عودتهم إلى روسيا مع سلاحهم، واستخدام سوريا حقل تجارب للسلاح الروسي الجديد وتدريب العسكريين والضباط الروس على الحرب الحديثة.

لكن القليل، الذي تحدث به بوتين عن سوريا، كان كافياً لبعض ناشطي وسائل التواصل الإجتماعي العربية مشاركة زملائهم الروس في شن هجمات عنيفة على الرئيس الروسي. فقد نقل موقع روسي عن عميد عسكري عربي قوله، إن إعلان بوتين عن أن الشعب السوري هو حقل تجارب للسلاح الروسي يشكل جريمة حرب، وعلى محكمة الجنايات الدولية النظر فيها.

وقال آخر، إن كلام بوتين ليس فيه أي احترام "للأسد ضعيف الإرادة، الذي جعل سوريا وأجساد السوريين حقل تجارب للشيوعيين". واستعان آخرون بالخنزير والكلب لوصف الرئيس الروسي، وتضرع آخر إلى الله أن "يلعنه وكل من يؤيده".

عراضة بوتين التلفزيونية لم تؤثر على انقسام الروس بين غالبية ساحقة تشكل "حزب التلفزيون"، تابعت العراضة وتفاعلت معها بحماس، وأقلية من المثقفين والجيل الشاب تشكل "حزب الانترنت"، تجاهل ممثلوها متابعتها واعتبروها وصمة ينبغي التستر عليها.  لكن العراضة كانت فرصة للكثيرين من ممثلي هذه الأقلية للإفصاح عما يرونه في حال روسيا، ومآلها في ظل النظام المافيوي المخابراتي الحاكم. فقد كتب الرئيس السابق لاتحاد صحافيي روسيا والنائب السابق في مجلس الدوما إيغور ياكوفنكو، في مدونته، إن جميع الذين يعرف من الأشخاص المحترمين، كتبوا أنهم لم يشاهدوا عراضة بوتين الدورية، وأنه ليس غير مبتوري العقل والتشوهات الخلقية الأخرى بوسعهم مشاهدة هذا. لكنه شكك في صحة ما قاله البعض، لأن ما نقله هؤلاء من وقائع العراضة، يشير إلى أنهم، إن لم يشاهدوا العراضة، فقد استرقوا مشاهدتها.

ويعترف ياكوفنكو بأنه هو نفسه قد شاهد العراضة "لأنه ينبغي مشاهدة العدو". ويستنتج من مشاهدته هذه، بأن تلك "السخرية" تتكرر للمرة السادسة عشرة، ولذلك من المفيد مقارنتها مع السخريات السابقة، التي لم تكن سوى تقليد للديموقراطية، والسخرية الأخيرة هي تقليد للتقليد. ويقول الرجل، إن بوتين، وكما في حالات سابقة، نزع القناع البشري وبرز في حلته الحقيقية "آكلاً للحوم البشر". فحين سُئل متى تغادر القوات الروسية سوريا، قال من بدون مواربة، إن "تجربة استخدام القوات المسلحة في ظروف المعركة لا يمكن مقارنتها بالمناورات"، أي إن سوريا هي حقل تدريب، والسوريون هم أهداف حية، بل ويمكن إجراء اختبارات طبية عليهم، إنما في المستقبل، يقول الرجل ساخراً.

ويعلق على عراضة بوتين الكاتب والبوليتولوغ الكسندر ماروزوف على "فايسبوك"، قائلاً "ليس غير الإنسان المريض، الشاذ، سوف يشاهد ما يسمى الخط المباشر لبوتين، وأجد من الصعوبة تصور هذا المريض نفسياً". ويستغرب الرجل كيف تدعو إذاعة "صوت أميركا" إلى مشاهدة العراضة والتعليق عليها، ويتساءل لماذا لا تضع الإذاعة كونشرتو للموسيقي الروسي الشهير براكوفيف.

ويستعيض البروفسور في مدرسة الإقتصاد العليا سيرغي ميدفديف للتعليق على عراضة بوتين، بنشر بعض الأنباء ذات الصلة التي نُشرت في اليوم التالي للعراضة على حد تعبيره. فقد عمدت إحدى مدارس موسكو إلى تسريح مدرسة لأنها اصطحبت تلامذتها لحضور مسرحية الكاتب الإنكليزي ألدوس هاسكلي "هذا العالم الجديد الساحر". كما عمدت قناة تلفزة في مدينة روسية إلى طرد إحدى مذيعاتها لأنها أجرت مقابلة مع قناة "دوجد" المعارضة. ويضيف ميدفيديف إلى ذلك نبأ توقيف أحد الروس على الحدود مع فنلندا لأنه كان يخفي في سقف سيارته قطعة "مهربة" من الأجبان.

أما الكاتب ألكسي مالنيكوف فقد علق في إسبوعية روسية على عراضة بوتين ومقابلة سابقة له مع صحافي نمساوي بقوله، إن الحدثين هما بمثابة "ألبوم مزدوج" للغباء الرسمي، ودليل آخر على "حتمية انهيار روسيا". إن المشكلة الرئيسية هي تخلف روسيا عن الغرب والصين في جميع المجالات، في ظل نظام لا يجيد سوى النهب. ويقول، إن ليس لدى روسيا طموح إلى المستقبل، وليس لديها لا الرغبة ولا الإمكانية لتصبح أفضل مما هي عليه، فليس من قضية مشتركة بين جميع الروس، تزاوج بين المصالح الفردية لكل منهم. ويتساءل عن المصلحة في العمل لصالح أسر الحكام المتنامية من أمثال بوتين ولافروف وإيفانوف وسواهم، وهو الأمر، الذي يمكن تحمله إلى حين، لكن ليس أكثر.

ويقول مالنيكوف، إن روسيا هي اليوم بلاد بالية تنكأ كل أوجاعها التاريخية، لأنه ليس لديها مستقبل، ولذلك تعود مسرعة إلى الماضي. إن كل ما قاله بوتين في العراضة والمقابلة هو خداع، يمكن التستر به ومواصلة البقاء والتعفن في المستنقع والتستر بالمظلة النووية، وهو ما يتلاءم تماماً مع روسيا التعبة.

أما كيف الخروج من هذا المستنقع، وتوقف روسيا عن أن تكون بلداً متخلفاً لا مستقبل له، فيرى الكاتب أن الجواب الصحيح على ذلك لا يستقيم، لا سياسياً ولا إقتصادياً، مع مواصفات بوتين الشخصية ومجموعته، ولا مع كل النظام الأوليغارشي المخابراتي الطفيلي.

من المؤكد، أنه يمكن تأجيل نهاية هذا الواقع، وذلك بالإعتماد عل أسعار النفط المرتفعة، والتحجج بسلبية الروس، ومواصلة القمع السياسي، الذي بدأه بوتين ومجموعته، إلا أن هذا ما حدث للإمبراطورية الروسية، وكذلك للإتحاد السوفياتي، الذي كان سقوطه، بين أسباب أخرى، نتيجة حماقة حكامه.

ويستنتج الكاتب، أن هذا ما سوف يحصل لروسيا، وهو أمر مفهوم وحتمي. وليس في الواقع المحيط بروسيا، وخاصة في ما يدور في الرؤوس الفارغة للحكام العسكريين، ما يقنع بأن "قدر بلادنا سوف يكون مختلفا".

إذا كان هذا هو واقع روسيا، كما يتحدث عنه الكتاب والمثقفون الروس، فإن البؤس، الذي تعيشه روسيا ويرضى به الروس أنفسهم، فهذا يعني، كما يقول ياكوفنكو، بأن روسيا تستحق بؤسها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها