آخر تحديث:18:43(بيروت)
الجمعة 09/11/2018
share

موازنة 2019 السورية:إعادة الاعمار ب115 مليون دولار!

وجيه حداد | الجمعة 09/11/2018
شارك المقال :
موازنة 2019 السورية:إعادة الاعمار ب115 مليون دولار! سانا
استمع مجلس الشعب السوري إلى تقرير وزير المالية مأمون حمدان، الأربعاء والخميس، يوضح فيه تفاصيل مشروع الموازنة الحكومية للعام 2019.

وترأس جلسة الأربعاء رئيس المجلس حمودة الصباغ، الذي تغيب عن الجلسة الثانية لـ"انشغاله"، فترأسها نائبه نجدت أنزور. وبعد المداولات المعتادة من تساؤلات وانتقادات النواب وإجابات الوزير، أحيل مشروع الموازنة إلى "لجنة الموازنة والحسابات" لدراسته مع الملاحظات عليه، وإعداد التقرير اللازم لعرضه على المجلس لاحقاً. ورفعت الجلسة إلى 18 تشرين الثاني، فيما تواصل "لجنة الموازنة والحسابات" عقد اجتماعاتها إلى 11 تشرين الثاني.

وكانت الحكومة قد أعدت مشروع موازنة 2019 برقم 3882 مليار ليرة، وهو الأضخم رقمياً في تاريخها، ويزيد عن ميزانية 2018 بـ695 مليار ليرة، ولكنه وفق سعر الصرف الرسمي لا يصل إلى 9 مليارات دولار، ويتجاوز بقليل 8 مليارات دولار وفق السعر الرائج. قيمة موازنة 2019 مقدرة بالدولار، تعادل نصف موازنة العام 2011.

وفي مفارقة اقتصادية لافتة، تعبر عن تآكل الاقتصاد السوري وعجزه الراهن، فإن موازنات الحكومة الأخيرة تتجاوز نصف قيمة إجمالي الناتج المحلي، فيما كانت الموازنات العامة قبل الحرب تقارب ربع إجمالي الناتج المحلي. وهذا يعني أن سياسات الحكومة ليست عاجزة عن تطوير الناتج المحلي ورفع نسب النمو، فحسب، بل وتستهلك الجزء الأكبر منه.

ويقدر الإنفاق الجاري لعام 2019 بـ2782 مليار ليرة، بنسبة 71% من الموازنة، وهو رقم يزيد عن إنفاق العام الحالي بـ520 مليار ليرة. تفاصيل الموازنة المقدمة تشير إلى أن هذا المبلغ لن يوظف بزيادة الرواتب والأجور، ولا في قطاعات الدعم الشعبي، وإنما إلى الإنفاق الحكومي المباشر. وقدرت الموازنة حصة الإنفاق على الدعم بـ811 مليار ليرة ما يعادل 23% من الموازنة. ولطالما أعلنت الحكومة أن الدعم  الحكومي بات مقتصراً على الخبز، إلا أن التصريحات الحالية تشمل قطاع الطاقة بشقيه الكهرباء والنفط، ضمن الدعم، في محاولة لتبرير العجز عن رفع الأجور والرواتب، أو لتهيئة الشارع لرفع الدعم أو تقليله.

وخصصت الموازنة نسبة 29% للإنفاق الاستثماري، بمبلغ يقدر بـ1100 مليار ليرة، ولم ترصد لـ"إعادة الإعمار" أكثر من 50 مليار ليرة ما يعادل 115 مليون دولار، في الوقت الذي تقدر احتياجات البلاد إلى 400 مليار دولار لإعادة الإعمار.

وخُصص لكل نائب راغب في الحديث، خمس دقائق، وتركزت انتقاداتهم على الوضع المعيشي والخدمي وتدني مستواه، وتأثيره على الحياة اليومية للمواطن السوري، مطالبين بإيصال الدعم إلى مستحقيه، وتأمين فرص العمل، وتصحيح موضوع الخلل الضريبي الذي يتحمل الموظفون والشرائح الأفقر نتائجه. ورد حمدان على تعليق نائب رأى بأن الموازنة لا تلحظ تغييراً في كتلة الرواتب والأجور، بالقول: "هذا إجراء متبع في الموازنات السورية، وفي حال رفع الأجور يتم تأمين الاعتمادات اللازمة لها".

النائب نبيل صالح، طالب باعتماد الأرقام العربية في مشروع الموازنة بدل الأرقام الهندية لتحاشي الخلط بين الصفر والنقطة، مطالباً وزير المالية بمعرفة ماهية القروض الخارجية وطبيعتها. ورد حمدان بأن الحكومة لم تعتمد في أي من موازناتها على القروض الخارجية.
 ويعرف السوريون أن عرض الموازنة العامة على مجلس الشعب له طابع إجرائي فولكلوري، ويخلو من الفاعلية. لم يسبق أن عدّل المجلس أو غيّر أو ردّ أية موازنة، في تاريخه الحديث.

ويسود في مجلس الشعب تعبير النسخ واللصق، وهو ما أشار إليه النائب وائل ملحم، عن أن مشروع البيان هو ذاته منذ سنتين أو ثلاث، إذ يتم تغيير الأرقام، مطالباً الحكومة الالتزام ببيانها الوزاري الذي قدمته عند تشكيلها، مؤكدا أنها لم تأخذ بأي شيء تم طرحه تحت قبة المجلس، وان شيئاً لم يتغير في الواقع المعيشي للمواطن.

وتدرك الحكومة حجم المأزق الاقتصادي الذي تعانيه، وتدرك أن استمرارها مرهون بعامل الجباية الذي يشكل حجر الزاوية في الإيرادات المطلوب تحصيلها لتغطية النفقات المتنامية، وتغطية الاستحقاقات المطلوبة منها. على الأقل وفق وعودها لتحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية بعد تحسن الظروف العسكرية. وهو ما يحتج عليه الموالون بأن ظروفهم تزداد تدهوراً بعد انتصاراتهم، وأنهم يدفعون ضريبة الخبز والعمل كما دفعوا ضريبة الدم، وينظرون إلى الحكومة بوصفها "حكومة أغنياء تسرق الفقراء"، ولا يصدقون رئيس الحكومة الذي تعهّد بأن موازنة 2019 ستعيد الحياة إلى ما كانت عليه قبل 2011. ولا يصدقون أيضا أرقامها المعلنة، خاصة ما يتصل بتأمين فرص العمل التي قدرتها الحكومة في مشروعها المالي بـ70 ألف فرصة عمل في القطاعين الإداري والاقتصادي.

الإيرادات والنفقات هي جوهر الموازنة العامة، وفي ظل تدني الإيرادات والحاجة الملحة لمزيد من النفقات تعمد الحكومة إلى تعقيد الأرقام في موازناتها وخلطها بأرقام تفتقر إلى الواقعية والصدقية وتمتلئ بالتناقض لتعمية المشهد العام. ويبقى السوري بانتظار تحسن أموره المعاشية، وتبقى الحكومة حائط الصد الذي يتلقى اتهامات الموالين الفقراء، الذين اعتادوا لسبب غريب، أن يميزوا بين الحكومة "المتواطئة" ضدهم، وبين القيادة السياسية "الواقفة" إلى جانبهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها