آخر تحديث:17:34(بيروت)
الثلاثاء 23/10/2018
share

جريمة للبيع

فادي الداهوك | الثلاثاء 23/10/2018
شارك المقال :
  • 0

جريمة للبيع Twitter ©

توجّهت أنظار العالم إلى تركيا تترقب أن ينطق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باسم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، متهماً إياه بتصفية الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية العامة في اسطنبول، لكن أردوغان اختار، على ما يبدو، فتح باب المزاد على عرش ولي العهد بأعلى سعر، من خلال الإشارة إلى احتمال تورط ولي عهد آخر صديق له، ومشير في بلاد النيل، تندّر رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالقول إنه قد يقبل أن يحمل القضية عن محمد بن سلمان مقابل بضعة ملايين.

إنها اللحظة الأمثل للجميع. لأردوغان الذي تلقّى أذية محمد بن سلمان لتركيا بتأجيل المواجهة معه مراراً، لأنه كان يحظى برعاية نادرة في البيت الأبيض، وداخل عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فضلاً عن الدلال الذي يحصل عليه من والده العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.


اختيار أردوغان فتح المزاد على ولي عهد السعودية جاء أمام الخجل الغربي من شراء جريمة القنصلية لفداحتها، وفشل كل محاولات إخفاء رائحتها، فالأمير الذي أخذ مفاتيح قيادة المملكة من والده، كان يتعامل مع السعودية كأنها إحدى سياراته الفارهة، يقودها بسرعة ويرتكب المخالفات كل يوم ظناً منه أنه لن يرتكب حادثاً، لكن ذلك حصل فعلاً وبصورة مأساوية، ليجد نفسه وحيداً من دون الشلة التي كانت تستغل ثراءه ودلال والده له، وتكيل الثناء عليه بغلو، وتبدي الإعجاب بشخصيته وأفكاره، ما دفعه إلى عرض جريمته على الشعب ليشتريها مقابل صرف علاوة سنوية، عندما رفض السياسيون الرد على مكالماته.


لكن بقدر ما هي اللحظة الأمثل لأردوغان، فإنها لحظة ولي العهد كذلك للصعود على عرش أخذ كل امتيازاته من دون الجلوس عليه؛ وبقدر ما قد يكون الطريق إلى العرش دموياً ومحفوفاً بالمخاطر، إلا أن وجود "والد طيب" قد يسهّل المهمة. لمَ لا وحتى أردوغان يظن الطيبة في شخص قد يقبل مناشدته لتسليم الموقوفين المزعومين على ذمة قضية خاشقجي لمحاكمتهم في اسطنبول؟ وحينها من سيتجرأ على طلب محاكمة خادم الحرمين الشريفين؟


أياً يكن المشهد الأخير من مسلسل القنصلية الطويل، الذي نفى القنصل أن تكون كاميرات المراقبة قد صورته، فإن الجريمة أصبحت النقطة التي ستبدأ منها السعودية بترتيب العلاقات مع الآخرين، بعد أن أوغل ولي العهد بالتنمر على حلفاء و/أو منتقدي سياسات المملكة، لدرجة أن حالة التنمر أصبحت جواً عاماً في السعودية يمارسه مواطنون ومعجبون به ضد أي شخص يدعو لاستخدام العقل والتفكير، مثلاً، في فداحة مشهد أن يفتح القنصل محمد العتيبي أدراج خزانة أمام كاميرات الصحافة ليؤكد أنها خالية من إصبع لجمال، قبل أن يصبح الحديث عن تقطيع الجثة أمراً جدياً.


عهد التنمّر في طريقه إلى الانحسار، بتحطم حلم ولي العهد، أو بتحقيق ذلك الحلم مع درجة من الانضباط المقبول دولياً، فكل العالم الآن لا يتذكر ما فعل هذا الشاب المتحمس لترتيب المنزل، وصوره مع مؤسس "فايسبوك" مارك زوكربيرغ، أو "مكرمته" بالسماح للمرأة السعودية قيادة السيارة كقائد منفتح.

العالم الآن يتذكر ملفات ولي العهد في اليمن، وفي سوريا، وفي مصر، ويتذكر فكرته بحفر قناة سلوى ظناً منه أنه عندما يحوّل قطر إلى جزيرة فإنها ستغرق في الماء وتختفي! ويتذكر ما فعله في لبنان، الذي كان يمكن أن يكون رئيس وزرائه سعد الحريري مكان جمال ربما لولا تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون... لكن ماذا يملك محمد بن سلمان؟ إنه يملك جثّة فقط، وجريمة لم يشترها أحد حتى الآن بالسعر الذي يعرضه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

فادي الداهوك

فادي الداهوك

رئيس قسم عرب وعالم، تويتر: fadidahouk