آخر تحديث:14:14(بيروت)
السبت 16/09/2017
share

الرقة:"التحالف"قرر حسم المعركة بسرعة وبأي ثمن

عبدالقادر ليلا | السبت 16/09/2017
شارك المقال :
الرقة:"التحالف"قرر حسم المعركة بسرعة وبأي ثمن شهدت المدينة قصفاً عشوائياً، هستيرياً، لم تعهده من قبل (Getty)
تقدم كبير ومهم حققته "قوات سوريا الديموقراطية"، وبدعم من الولايات المتحدة، خلال الأسبوع الأخير من المعارك في مدينة الرقة مع تنظيم "الدولة الإسلامية"، للسيطرة على مركز المدينة. وترافق ذلك مع غطاء ناري واسناد جوي هائل، وشهدت المدينة قصفاً عشوائياً، هستيرياً، لم تعهده من قبل.

"قسد" تقدمت من الجنوب والجنوب الشرقي، من دوار الساعة، باتجاه الشمال عبر شارع تل أبيض (السوق الرئيسي)، وغطّت نارياً مفرق الأماسي، وسط دمار هائل خلفته الاشتباكات والقصف. "قوات مجلس منبج العسكري"، قادت المعارك في هذا القطاع، وقتل قائدها "أبو أمجد"، قبل أيام، ونعته "قسد". و"مجلس منبج العسكري" يتمتع بسمعة سيئة، واتهامات بممارسة النهب والسلب، ما يزيد من قلق من تبقى حيّاً من أهالي المدينة.

في المحورين الغربي والجنوب الغربي، ما زالت تدور اشتباكات عنيفة في محيط المشفى الوطني الذي خرج من الخدمة، وفي حديقة 17 نيسان. وسيطرت "قسد" على أجزاء واسعة من حي الثكنة، وتسعى للوصول إلى تقاطع الخضر، عبر المجمع الحكومي، لتأمين سيطرة كاملة على الأحياء الجنوبية. تقدم "قسد" ألحق هزائم حقيقية بالتنظيم فتقلصت مساحة سيطرته إلى اقل من 3 كيلومترات مربعة. عملياً لم يتبقَ تحت سيطرة التنظيم إلا 4 أحياء وبعض الأزقة والحارات.

صغر مساحة الاشتباكات وضراوة دفاع التنظيم، جعلت القوات المتحاربة تتداخل مع بعضها البعض. وشنّ انغماسيو التنظيم هجوماً معاكساً، قبل يومين، دحروا فيه "قسد" حتى دوار الساعة، ما استدعى تدخل طيران "التحالف" لوقف الهجوم، فضرب بالخطأ قوات لـ"قسد" وقتل 6 منهم. وهي ليست المرة الأولى، من خسائر النيران الصديقة، بل سبق وأن قُتل 20 عسكرياً من "قسد" في حي المرور، قبل عشرة أيام، بقصف من طيران "التحالف" أيضاً.

من جهة الشرق، وعبر محور جامع النور وحي الدرعية وحديقة الاستقلال، الجبهة شبه هادئة. وتقاتل في هذا المحور "قوات السوتورو" المسيحية الأشورية المنضوية في "قسد"، لكن أهميتها أقل من "وحدات حماية الشعب" الكردية، وينحصر دورها في الدفاع عن خط نار ثانوي، وتتمثل أهميتها في تنوع التمثيل القومي والطائفي الذي تحرص عليه "قسد" في هذه المعركة. كما تشير بعض المصادر إلى أن أغلب المقاتلين الأوروبيين والأميركيين "المتطوعين" في "قسد" يقاتلون ضمن "السوتورو"، بالإضافة إلى مندوبي المخابرات الدولية، بصفة مناضلين يساريين، ويبدو أنهم يثقون بهذه القوات أكثر من غيرها.

الدمار العشوائي الذي طال المدينة هدم 27 مسجداً وكنيسة، ومشفى السلام والمواساة والطب الحديث، ولم يتبق للجرحى إلا المشافي الميدانية.

المعلومات الاخيرة تقول إن المدينة تتعرض لقصف هستيري لم تشهده منذ بداية المعارك، بمعدل 300 قذيفة يومياً، وبكثافة نارية عشوائية غير مسبوقة. جنون طيران "التحالف" وقصف "قسد"، ربما يأتي لاستعجال حسم المعركة قبل الوقت المحدد لها، ويبدو أن هناك أوامر من غرفة عمليات "التحالف" بحسم معركة الرقة، بأي ثمن ومهما كلفت من أرواح ودمار، قبل انتقال القوات نحو ديرالزور، ضمن السباق مع قوات النظام والمليشيات الإيرانية.

وعلى الأغلب، فإن الانتصار الساحق والاستعراضي الذي كانت تخطط له الولايات المتحدة في الرقة، قد ألغي، وبات مطلوباً إنهاء المعركة بأي ثمن، واللحاق بقوات النظام المدعومة روسياً وإيرانياً، حتى لو أضطرهم الأمر لاستخدام الفسفور الأبيض كما حصل قبل 5 أيام.

يقول عيسى، مقاتل في "قسد"، لـ"المدن"، إنهم لا يستطيعون البقاء في "النقطة صفر، مثل دوار الساعة، ليلاً، خوفاً من تسلل انغماسيي التنظيم، لذلك ننسحب إلى نقطة نزلة شحادة ونترك النقطة صفر تحت مراقبة الطيارات من دون طيار، ومروحيات الأباتشي، وفي الصباح نعود إليها بعد أن يؤمنها الطيران". لذلك فإن خطوط الجبهات، باتت متقلبة بشكل دائم بين مد وجزر، وتختلف بين الليل والنهار.

الخارجون من المدينة أصبحوا قلة، بل ونادراً ما يتمكن أحدهم من الخروج، بسبب أهوال الطرق، التي قضى عليها مئات المدنيين. وما زال المئات من المفقودين ينتظرهم أحبتهم على أمل عودتهم.

قبل أيام قليلة، خرج آخر طبيبين من المدينة، وباتت الرقة بلا أطباء سوى أولئك التابعين لـ"الدولة الإسلامية"، ممن يُشك بمعرفتهم أبسط بديهيات الطب.

حجم الدمار في المدينة هائل ومخيف، يقول عضو "مجلس المحافظة" السابق المهندس هديب شحادة، لـ"المدن"، إن نسبة الدمار في البنية التحتية تجاوزت 90 في المئة، أما الأبنية الخاصة ومساكن المدنيين فنسبة الدمار تترواح بين 40 إلى 50 في المئة، والمعركة لم تنتهِ بعد، والدمار مُرشّحٌ للتصاعد، طالما تدار المعركة بهذه الوحشية.

أبو محمد، نازح من الرقة، يقول لـ"المدن": "أسكن الآن في قرية أبو قبيع، وأشاهد مدينة الرقة التي تفصلني عنها 5 كيلومترات كخط نظر عبر النهر.. أشاهد القذائف المتساقطة والطائرات التي لاتفارق السماء.. الأرض تهتز من ضخامة الانفجارات، وتُشاهد أعمدة الدخان من مسافات بعيدة.. المدينة كتلة من لهب.. مغطاة بغيمة من الدخان.. المدينة تحترق وقلوبنا تحترق معها.. فمع كل قذيفة تسقط على الأرض نشعر بها ونعرف أنها ربما قتلت أحداً من أهلنا أو دمرت بيتاً من بيوتنا".

يتابع أبو محمد بالقول: "مأساة أن ترى مدينتك تحترق وتدمر وأهلك يقتلون أمام عينيك.. وأنت عاجز.. وما عليك إلا متابعة مشاهدة المأساة.. والنحيب بصمت".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها