الجمعة 2017/01/06

آخر تحديث: 15:03 (بيروت)

حرب "داعش" ضد تركيا؟

الجمعة 2017/01/06
حرب "داعش" ضد تركيا؟
الإرهاب ليس السبب في تحلل الدول بل هو النتيجة لذلك (أ ف ب)
increase حجم الخط decrease
بينما كان سكان اسطنبول يعودون إلى إيقاع حياتهم اليومي بعد الهجوم على نادي رينا الليلي الذي أسفر عن مقتل 39 وجرح أكثر من 60 شخصاً في ليلة رأس السنة، ضرب هجوم آخر، الخميس، في مدينة أزمير. الهجوم الأول في أزمير استهدف قصر العدل. لحسن الحظ، فقد لاحظ ضابط شرطة، كان موجوداً هناك، المُهاجم وهو يحمل المتفجرات، وأوقف ما كان من المحتمل أن ينتهي بمجزرة كبيرة. لكن ضابط الشرطة فقد حياته خلال الاشتباك.

ليس من الخطأ القول إنه وبعد عشرات الانفجارات خلال عام ونصف، فقد مثّل هجوم رينا عتبة جديدة في سوية الخوف والغضب التي بات يشعر بها المواطنون العاديون. وإذا نظرنا إلى ردود فعل الصحافيين والمحللين الأتراك المنتقدة للحكومة، يمكن تصنيفها في ثلاث وجهات نظر؛ وهي المتعلقة بالعلاقات الدولية، وعلم الاجتماع والعلوم السياسية.

الأكثر شيوعاً والأكثر بساطة، على الأغلب، يرتكز على تغير سياسة الحكومة التركية في سوريا. ومن المستحيل تجاهل حقيقة أن الهجوم كان جزئياً انتقاماً من "داعش" ضد السياسة التركية الجديدة في "الحرب على الإرهاب" في سوريا. محللون شارعوا أنه بينما حوّلت تركيا سياستها في سوريا من "اسقاط النظام" إلى "الحرب ضد الإرهاب"، بسبب تغيّر الديناميات العالمية بشكل رئيسي، فإن تأثير "الكيد المرتد" أخذ موقعه. جادل المحللون بأن ما نلاحظه من خلال هذه الهجمات الإرهابية هو إشارات على "بكسنة" (من باكستان) تركيا؛ بكلمات أخرى، فـ"الجهاديون الذين دعمتهم تركيا داخل حدود الجوار، يقتلوننا اليوم في المنزل". وبحسب وجهة النظر هذه، مثّل اعتداء رينا الفشل الكامل للسياسة الخارجية التركية، بشكل عام، والسياسة السورية بالتحديد، وقرار الحكومة التركية القاتل بالتدخل في الصراع السوري جعل من البلد عرضة لصراعات عالمية وجيوستراتيجية والحروب في المنطقة. وبحسب وجهة النظر هذه، فإن الديناميات العالمية هي العامل الرئيس في التحليل، مع تجاهل كلّي للديناميات المجتمعية والسياسية المحلية في تركيا.

المجموعة الثانية من المحللين، كيّفت مقاربة أكثر اجتماعية-محلية، وكشفت الفرق بين هجوم رينا وما سبقه من الهجمات التي أودت بحياة المئات خلال عام ونصف العام. الصحافي التركي روشن شاكير، وهو من أكثر الباحثين في شؤون الحركات الإسلامية في تركيا مصداقية واحتراماً، صرّح أن الهجوم الأخير يمثّلُ مرحلة جديدة من الإرهاب في تركيا. شاكير جادل أنه بهذا الهجوم فإن "داعش" تعلن الحرب مباشرة ضد تركيا ذاتها، ولم يعد في الإمكان تفسير الهجمات في تركيا على أنها امتداد للحروب في سوريا والعراق. شاكير وغيره من الكتاب أشاروا إلى أن هذه الظاهرة الجديدة من الحرب الجهادية المباشرة في تركيا لن تكون ممكنة لو أن العقيدة الجهادية ليس لديها مستوى محدد ونوع من القاعدة الشعبية والدعم في تركيا. فلقد لاحظنا بالفعل العديد من المواطنين الأتراك يكتبون في "فايسبوك" و"تويتر" أنهم لا يدينون الهجوم طالما أن الذين كانوا في نادي رينا الليلي "كفار" بأي طريقة. السلطات التركية صرّحت أن مثل هذه المشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا" تشكّلُ جريمة كراهية، وبدأت تحقيقاتها.

جدل شاكير لاقى صدى مع العديد من الكتاب الآخرين الذين عبّروا عن أن هذا الهجوم، بكل صراحة، هو ضد نمط الحياة العلماني في تركيا. وبينما معظم الهجمات السابقة في تركيا، إن كانت من "داعش" أو "العمال الكردستاني"، كانت تحدث على طول خط الصدع القومي التركي/القومي الكردي، فإن هجوم رينا، وهو أيضاً أول هجوم في تركيا زعمت "داعش" تبنيه، ظهر بأنه نقل للهدف إلى خط صدع رئيسي آخر ضمن المجتمع التركي: نمطا الحياة العلماني/غير العلماني. على كل حال، التركيز المنفرد على العلمانية في كتابات مماثلة يتاخم التفسير الاختزالي والإسلاموفوبي، وهو غير كافٍ لتفسير اختيار رينا؛ قمة مواقع التسلية المُسرفة لنجوم البوب والرياضة والطبقة العليا من سكان المدينة، كهدف للهجوم. لذلك، من الممكن قراءة هذا الهجوم الشنيع، جزئياً، كاستراتيجية "تجنيد شعبي" لجذب الشباب من ضواحي اسطنبول المُفقرة، والذين هم منفصلون ثقافياً واقتصادياً ومكانياً عن زبائن رينا.

كما أشار أحد الكتاب إلى أن استخدام صور البوسفور وبوابة جامعة اسطنبول كأهداف في إعلانات "داعش" الدعائية، يوضّحُ أن الرأسمال الثقافي والمالي محجوب عن أولئك الشباب المهمشين في المجتمع التركي والذين هم مجندون محتملون لـ"داعش".

وجهة النظر الثالثة تركز بشكل أساسي على البنية المتغيرة للدولة التركية من منظور العلوم السياسية، وتعتبر أن سياسات الحكومة تُشكّلُ السبب الرئيس لهجمات "داعش" و"العمال الكردستاني". ووجهة النظر هذه تقول إن الإرهاب ليس السبب في تحلل الدول بل هو النتيجة لذلك. منذ محاولة الإنقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو، العديد من علماء السياسة ناقشوا أن الانقلاب كان نتيجة لانفراط التحالف القديم ضمن بنية الدولة التركية. الحكومة التركية الحالية كانت تحاول، منذ ذلك الوقت، إعادة توحيد الدولة عبر بناء تحالفات جديدة، داخلية وعالمية، وكذلك عبر زيادة الإجراءات السلطوية والحربية. ورغم أن الحكومة كانت تستخدم خطاب "الحرب ضد الإرهاب" و"الأمن" بغرض تشريع التمديد لحالة الطوارئ، للمرة الثانية، فإن ذلك بالنسبة للكثير من المواطنين، ليس أكثر من حجة لتعليق القانون للسماح بـ"تطهير" مكاتب الحكومة من الموظفين المعارضين، وتوقيف الصحافيين والكتّاب المنتقدين للحكومة، ولتهميش إضافي للسياسيين الأكراد في القنوات السياسية الشرعية.

وكي تتمكن تركيا من الخروج من دوامة العنف هذه، وإعادة توحيد دولة قادرة على توفير الأمن لمواطنيها وتحوز ثقتهم، فإن الحكومة تحتاج إلى اتخاذ خطوات عاجلة لإعادة ترسيخ الشفافية وحكم القانون. وهذا يمكن أن يتحقق من خلال خطاب تعددي شامل بدلاً من ذلك القائم على هيمنة بلاغة "الوحدة الوطنية"، والتي هي بالنسبة للعديدين، تغذية لثقافة محاربة "الذين ليسوا منا"، كبديل عن تأسيس المحاسبة.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها