آخر تحديث:14:05(بيروت)
الجمعة 30/12/2016
share

ريف اللاذقية 2016: لا أرض ولا ناس

عبدالسلام حاج بكري | الجمعة 30/12/2016
شارك المقال :
ريف اللاذقية 2016: لا أرض ولا ناس لم يكن أشد المتشائمين يتوقع أن يسقط ريف اللاذقية تحت سيطرة النظام (عبدالسلام حاج بكري)
بعد يومين من بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا، طلب صاحب بستان تفاح من سائق جرار زراعي، أن يحرث له أرضه في قرية طعوما في جبل الأكراد في ريف اللاذقية، فردّ السائق بعفوية ضاحكاً: "هالسنة النظام رح يفلحلك ياها". حينها لم يلتفت صاحب البستان لكلام السائق، ولكنه يستعيده اليوم بمرارة.

في 20 كانون الثاني/يناير 2016، دخلت مليشيات النظام قرية طعوما، ومع نهاية الشهر، أكملت السيطرة على 85 في المئة من مساحة ريف اللاذقية، بجبليه: الأكراد والتركمان، وهجّرت كل أهله إلى مخيمات أقيمت على عجل، بالقرب من الحدود التركية في ريف إدلب الغربي.

شهران فقط، صمد فيهما مقاتلو ريف اللاذقية في وجه مليشيات النظام المغطاة جوياً بقصف لم يعتادوه سابقاً، إذ استخدم الطيران الروسي صواريخ فراغية وقنابل ارتجاجية إضافة للقنابل العنقودية، والقصف بالنابالم الحارق، والبراميل المتفجرة من طيران النظام. حينها شهدت السماء ازدحاماً للطيران الحربي، ووصل عدد الطائرات التي تقصف في الوقت ذاته إلى 15 طائرة. واستمر القصف عنيفاً حتى أرغم جميع أهل ريف اللاذقية على مغادرة منازلهم إلى المخيمات، ليلحق بهم المقاتلون على دفعات حتى نهاية كانون الثاني/ديسمبر 2016.

وأوضح المحلل العسكري المقدم طارق عبد الهادي، لـ"المدن"، أن الانسحاب جاء نتيجة طبيعية للحفاظ على أرواح المقاتلين، مع استحالة الصمود والمواجهة المباشرة مع القوات المهاجمة، بسبب كثافة القصف من الجو والبر ومن البحر أحياناً، واستخدام سلاح فتاك لا قبل لهم بمواجهته.

وأشار عبد الهادي إلى أن الطيران الروسي لم يترك فرصة للمقاتلين لالتقاط أنفاسهم وتجميع قواتهم ولو على محور واحد يصمدون فيه. وتابع: "فقد عمد إلى قصف المقرات الرئيسية لفصائل المعارضة، واستهدف طرق الإمداد. وساهم في ذلك الأمر القصف البري العنيف بالأسلحة الثقيلة من مراصد مليشيات النظام في القمم المرتفعة، ما لعب دوراً مهماً، في تقطيع أوصال الريف وإرغام الثوار على سلوك طرق الغابات للانسحاب على أكثر من محور".

وما سهّل على مليشيات النظام السيطرة على ريف اللاذقية حالة التشرذم التي تعيشها فصائل الثوار، وعدم تشكيلها غرفة عمليات مشتركة لمقاومة النظام وردّه أو حتى إبطاء تقدمه. وحمّل عبد الهادي الداعمين والممولين، ومنهم بعض أبناء المحافظة مسؤولية عدم اتحاد الفصائل وتخطيطها المشترك للمعارك.

الأمر انسحب على المحاولات التي قامت بها الفصائل لاحقاً لاسترجاع المواقع التي خسرتها، ففشلت معركة "رد المظالم" التي أطلقتها المعارضة في شباط/فبراير مع إعلان روسيا "سحب قواتها" من سوريا، وكذلك الأمر مع معركة "اليرموك" في تموز/يوليو، ومعركة "عاشوراء" في تشرين الثاني/نوفمبر. معارك فشلت في تحقيق أي تقدم يذكر، باستثناء استرجاع مواقع محدودة في جبل التركمان، بالقرب من الحدود السورية-التركية.

لم يتبق اليوم تحت سيطرة المعارضة في جبل الأكراد سوى شريط جبلي ضيق يضم قرية الكبانة، في حين لا تزال تسيطر على أربع قرى صغيرة في جبل التركمان، وهي ملاصقة تماما للحدود التركية، لكنها معزولة تماما عن ريف إدلب الغربي بسبب إشراف مواقع قوات النظام على الطريق الوحيد الواصل إليها والسيطرة عليه نارياً.

لم يكن أشد المتشائمين يتوقع أن يسقط ريف اللاذقية تحت سيطرة مليشيات النظام لاعتبارات عديدة أهمها؛ صعوبة المنطقة جغرافياً وتحصّن الثوار في الجبال المرتفعة، ووجود عدد كبير منهم لحمايته، إضافة للدعم الكبير الذي اعتادت تركيا تقديمه لهم.

قد تكون الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها تركيا عقب إسقاطها طائرة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، جعلتها تتردد كثيراً بدعم الثوار في ريف اللاذقية. وكان غريباً تخليها عن مساندة الثوار من التركمان المحسوبين عليها إثنياً في جبل التركمان، فسمحت بسقوطه، رغم أن مدفعيتها المتمركزة في جبل الأقرع والتي لا تبعد سوى مئات الأمتار تطل على غالبيته.

ريف اللاذقية، باعتباره المنطقة الأقرب لحاضنة النظام الشعبية في الساحل، جعلت منه ساحة للتجاذبات السياسية الدولية، فتدخلت دول كثيرة في محاولة لضبطه وجعله هادئاً. ضغط شارك فيه الأرمن عالمياً، ولا سيما في فرنسا، لارغام تركيا على وقف دعم المعارضة التي سيطرت على مدينة كسب التي تسكنها غالبية أرمنية في العام 2013. وقد نجحت تلك المساعي.

منذ سقوط ريف اللاذقية، يسعى المقاتلون لإيجاد طريقة تمكنهم من استعادة السيطرة عليه، وهم الذين قدموا تضحيات كثيرة للسيطرة عليه. رئيس "المكتب السياسي" لـ"لواء المعتصم" مصطفى سيجري، قال لـ"المدن"، إنه يجري الإعداد لتشكيل فصيل كبير وقوي يتم تدريبه بشكل احترافي ليتولى مع بقية الفصائل تحرير جبلي الأكراد والتركمان، غير أنه لم يحدد موعداً لذلك. ووصف سيجري، ابن اللاذقية، التشكيل الجديد بأنه الأقوى الذي سيعمل في ريف اللاذقية، وبدا متفائلاً بأنه سيكون قادراً على تحقيق الأهداف التي يسعى لها، ولم يشر إلى الجهة التي ستموله ولا إلى إمكان اقتحام القرى التي تعتبر حاضنة للنظام، مشيرا إلى وجود "خط أحمر دولي" يمنع الاقتراب منها.

قبض سائق الجرار جزءاً من أجره، عن عمل لم يقم به، لكن النظام كما قال، هو من "فلح الأرض" في العام 2016. ولا يبدو واضحاً إذا كان بإمكان سائق الجرار وفاء صاحب البستان بحراثة أرضه، في العام 2017.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها