آخر تحديث:14:53(بيروت)
الأحد 06/09/2015
share

"الأسطورة" أبو علي خبية مصلوباً

عمر بهاء الدين | الأحد 06/09/2015
شارك المقال :
"الأسطورة" أبو علي خبية مصلوباً يُنسَب لأبو علي خبيه الفضل الأكبر في تحرير مدينة دوما
قام "جيش الإسلام"، قبل أيام، بإعدام ماجد خبية المشهور بلقب "أبو علي خبية" رمياً بالرصاص في رأسه، مع أربعة أعضاء في "جيش الأمة". صُلب أبو علي، ووضع في عربة، تجولت بجثمانه في كافة مدن الغوطة الشرقية وبلداتها، ليشاهد الناس الرجل الأسطورة الذي لم يتوقع أحد له مثل هذه النهاية.

سبق ذلك بأسابيع بث "جيش الإسلام" لاعترافات أبو علي، بالمثلية الجنسية وتعاطي المخدرات، إضافة إلى تهم تمت قراءتها أثناء تنفيذ حكم الإعدام، كمبايعة "الدولة الإسلامية" والسرقة والقتل والفساد. جاء ذلك كتبرير لقتل أحد أعتى المقاتلين الذين تصدوا للنظام السوري في بداية تسليح الثورة، ويُنسَب له الفضل الأكبر في تحرير مدينة دوما.

أبو علي خبية الذي كان يعمل دهاناً قبل الثورة، تم اعتقاله من قبل "جيش الإسلام" أثناء الحملة التي قادها الأخير ضد "جيش الأمة" في مطلع العام الحالي. وهي الحملة التي توسطت حملات عديدة قام بها "جيش الإسلام" ضد كل من يرفض الانضمام إلى القيادة العسكرية الموحدة في الغوطة الشرقية التي يرأسها زهران علوش، قائد "جيش الإسلام".

"جيش الأمة" الذي كان آخر ما تبقى من فصائل الجيش الحر في الغوطة الشرقية، ضم في صفوفه "لواء شهداء دوما" الذي يقود أبو علي خبية أهم كتائبه، و"لواء أسود الغوطة"، وكلاهما سيئا الصيت بين السكان، لإتجارهما بالمخدرات والدعارة ولصوصيتهما. ويحظى هذان الفصيلان بإجماع شعبي، بأنهما من قاما بتحرير مدينة دوما، في وقت لم يقم فيه "لواء الإسلام" الذي أصبح لاحقاً "جيش الإسلام" إلا بتحرير حاجز وحيد في تلك المعارك.

أبو علي خبية الذي كان الأهم إعلامياً وميدانياً بين جميع القادة العسكريين في دوما والغوطة الشرقية، يروي عنه من يكرهونه من المدنيين والعسكريين قصص بطولاته. كما اشتهر بفيديوهاته المنشورة في "يوتيوب"، وأشهرها حين دخوله إلى حي الميدان في دمشق وتوعده لبشار الأسد أنه "سيصلي العصر في القصر". إلى جانب إعلاناته المتكررة حول مقتل بشار الأسد بتأكيدات حازمة، وفيديوهات متفرقة لا غرض لها إلا الظهور الإعلامي بمظهر "نجم الثورة وبطلها"، فيوجّه كلمة للشعب السوري بمناسبة العيد، ويتظاهر بالعزف على الكيبورد في حين يصدر عنه لحن مسجل، ويخرج لينفي مقتله بحسب ما أعلن النظام مرات عديدة. وكلها بأسلوب كان يثير ابتسامة المشاهد وضحكه من غير قصد.

وتتواتر الأحاديث عن استبساله في المعارك التي يُعزى سببها لتعاطيه المخدرات، بحسب منتقديه. وفي أحد اجتماعات "كتيبة شهداء دوما" آنذاك لتحرير أحد حواجز النظام المنيعة في المدينة، وقف قائد الكتيبة أبو صبحي طه، مع مجموعة من قادة مجموعاته حول الخريطة ليجهزوا للهجوم، مع عقدة هي انتشار القناصين على الأبنية القريبة، وكان أبو علي جالساً بعيداً عنهم ينظف رشاشه، فطلب منه أبو صبحي أن ينضم لهم في التخطيط. فتقدم إليهم أبو علي، وطوى الخريطة بعنف، وقال: "إنتو بس امشوا معي ...". فخرجوا وتقدمهم أبو علي بسيارة دفع رباعي، ومعه بالإضافة للسائق، شاب يحمل قاذف "آر بي جي". ودون سابق إنذار اندفعت السيارة بالسرعة القصوى إلى منتصف الحاجز، وأبو علي ومعه رامي القاذف يضربون يمنة ويسرى، قبل أن ينفذوا إلى الجهة المقابلة، واشتعلت المعركة التي تم القضاء فيها على الحاجز بوقت قصير، دون أن يجرؤ معظم القناصين على مد رؤوسهم، فيما تكفل أبو علي وعناصره بلجم البقية منهم.

في قصة أخرى، عرفها معظم أهل دوما حينها، كان أبو علي متواجداً بالقرب من أحد المعابر التي تصل بين الغوطة الشرقية الخارجة عن سيطرة النظام ومخيم الوافدين الواقع تحت سيطرته. فرأى بعينه قنص امرأة كانت تحاول العبور بين الأبنية باتجاه المخيم، كما جرت العادة، لجلب مواد غذائية لعائلتها ثم الرجوع. فما كان من أبي علي إلا أن فتح حرباً وأصاب القناص بقذيفة آر بي جي. ولم يتراجع قبل أن يصل إلى أقرب نقطة لجيش النظام، التي تراجع عناصرها إلى خلفها، كي يغتنم منها ما يستطيع. وعاد حاملاً رشاشاً ومنتشياً بنصره.

ورغم المناوشات التي كانت متكررة بينه وبين جيش النظام على معبر المخيم الذي أصبح المنفذ الوحيد للغوطة بعد حصارها كاملة، كان يحافظ على طريقة لتفادي إغلاقه من قبل النظام نهائياً. فكان يتردد بين أهالي الغوطة أنه كان يوفر المومسات والخمور لعناصر الحاجز كي يسمحوا له بإدخال البضائع. كما كان يشترك مع تجار مخدرات على إدخال الحشيش إلى الغوطة، وذلك يرضي النظام.

أبو علي الرجل الأرعن، ذو الميول الغرائزية والعاطفية، لم يكن يشبه الصعاليك. ففي حين كان يعطي مبالغ طائلة من المال لأي مسن فقير أو امرأة بثياب رثة يراها في الشارع، لم يكن يتورع عن سرقة كل ما تستطيع يداه الوصول إليه، حتى من الفقراء. ويروى أن امرأة وقفت في دوما تبكي وتدعو على أبي علي خبية، لأن عناصر حاجزه بالقرب من المخيم أخذوا منها المؤن التي جلبتها معها لتعين عائلتها في الحصار. وقيل إنه ظل يسأل عنها إلى أن وصل إليها وأعطاها مبلغاً كبيراً. لكن عناصر حاجزه ظلوا يأخذون قسماً من البضائع التي يدخل بها أي فرد إلى الغوطة.

وحين اشتد التوتر بين "جيش الإسلام" و"جيش الأمة"، وإرسل زهران علوش رسالة إلى أبي صبحي طه، يبلغه فيها بأسماء المطلوبين من "جيش الأمة" الواجب تسليمهم إلى "جيش الإسلام"، ومن بينهم أبو صبحي وأبو علي، وإلا فستكون الحرب بعد 48 ساعة، قام أبو صبحي بجمع قياداته لمناقشة الرسالة. وكان رأي أغلبهم –ومن بينهم أبو علي– أن يقوموا بالتصدي لـ"جيش الإسلام" إن قام بالهجوم عليهم، ومستخفين بمقدرته على مواجهتهم.
كان الغرور يملأ قلوبهم جميعاً، أعمتهم القوة التي يملكونها عن تقدير الأمور أو أخذ أية احتياطات، وعادوا للنوم في بيوتهم، في حين لا يمكن معرفة أين ينام قادة "جيش الإسلام" العسكريين. وبعد مضيّ المهلة أنزل "جيش الإسلام" فجراً، قوة كبيرة إلى دوما، بينها دبابات ومضادات طائرات وأسلحة متوسطة وخفيفة، وقام باعتقال معظم القادة والعناصر من بيوتهم. وكان أكثر من قاومهم هو أبو علي، قبل أن يستطيع الهرب والاختباء في أحد البيوت ضمن المدينة. لكن من خبؤوه لديهم، سال لعابهم على المكافأة التي وصلت إلى عشرة آلاف دولار لمن يسلمه، فقاموا بتسليمه منتظرين المكافأة التي يبدو أنهم حرموا منها بعد أن عرف "جيش الإسلام" أنه كان مختبئاً لديهم. وقيل إنه تم اعتقالهم للتحقيق معهم في صلتهم مع أبي علي، وبقية قيادات "جيش الأمة".

وبعد تساؤلات كثيرة عن مصيره، نشر "جيش الإسلام" في "يوتيوب" فيديو "اعترافات" لأبي علي. يظهر فيه مكسور العينين وضعيفاً أمام المحقق. وبجانبه رجال يقولون إنه "أجبرهم على ممارسة اللواط معه"، وهو يهز برأسه معترفاً ويتكلم بصوت خفيض وضعيف النفس. كما تم نشر تسجيل صوتي قيل إنه بين أبي علي، وبين أحد قادة "الدولة الإسلامية" في الغوطة أبي الرجاء التونسي، وهما يخططان لمحاربة "جيش الإسلام". لتكون هذه الاعترافات تمهيداً لإعدامه بعد أسابيع على نشرها. وليكون مشهد التجول بجثته المصلوبة في شوارع الغوطة رسالة على قوة "جيش الإسلام" التي وصل إليها.

أبو علي خبية الذي كان دهاناً يعاني الفقر والعوز قبل الثورة، ليصبح بعدها أحد أبطالها، وينعم بالنفوذ والمال والقوة، ويتبع ملذاته ونزواته، مات على يد من كان يكرههم بقدر كرهه لبشار الأسد، بحسب قوله. كان يقول دوماً إنه ليس شيخاً ولا يفهم كثيراً في الدين، لكن المشايخ، والسلفيين منهم بشكل أخص، كانوا في نظره أسوأ من أن يقبل بقيادتهم. لكن غروره وانشغاله بالملذات كانا أهم سبب لوقوعه بين يدي من يريدون السلطة والسيادة ولا شيء غيرهما.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها