آخر تحديث:09:20(بيروت)
الثلاثاء 05/05/2015
share

السباق على مستقبل دمشق والجنوب

فادي الداهوك | الثلاثاء 05/05/2015
شارك المقال :
  • 0

السباق على مستقبل دمشق والجنوب زهران علوش وهاشم الشيخ وأحمد الشيخ خلال زيارة علوش إلى تركيا

بدأت حالة الاستعصاء التي خيّمت خلال الفترة الماضية على الأوضاع الميدانية في سوريا بالانكسار. يمكن قراءة ذلك من خلال معطيات كثيرة، أبرزها مد نفوذ المعارضة في الشمال بهزيمة النظام في إدلب، وإعادة ضبط العمل العسكري، والاستراتيجيات الحربية للمعارك في درعا، ودفعها باتجاه القتال للسيطرة على مناطق مفيدة أكثر، مثل بصرى الشام، التي كانت جيباً مؤذياً للثوار في درعا.

في الثامن عشر من الشهر الماضي، وصل قائد "جيش الإسلام"، زهران علوش، إلى تركيا، قادماً من الغوطة الشرقية المحاصرة. وبمجرد انتشار صوره في تركيا، سادَ هرجٌ عن اقتراب معركة دمشق وتبلور قرار دولي بالتخلص من الأسد. وزاد من هذا الهرج بثّ صور أخرى جمعت علوش وقائد ألوية "صقور الشام" سابقاً، المنضوية تحت جناح حركة "أحرار الشام الإسلامية" حالياً، أحمد الشيخ، وأمير حركة "الأحرار"، هاشم الشيخ.


من المهم القول إن الطارىء الوحيد على الصورة المنشورة لأمراء الفصائل الإسلامية الكبرى في سوريا، هو علوش، باعتبار أن الآخرين يتخذان من تركيا مجالاً لتحركاتهما منذ وقت طويل، كما أنها مقرٌّ لمكاتبهما. وهذا الظهور لعلوش كان له مقدمات سابقة.


منذ تآكل آخر صورة مستقرة للدائرة الأمنية للنظام (رستم غزالي – رفيق شحادة – علي مملوك) عقب مقتل خلية الأزمة، انتقل قائد "جيش الإسلام" من مرحلة تمويل فصيله من قبل تلك الدائرة بوساطة من الواجهة المالية لرامي مخلوف، محمد حمشو، وتعويمه في الغوطة على حساب التشكيلات الأخرى، مقابل منعه قطع طريق دمشق-حمص من خلال الانسحاب من محيط اللواء 81 في القلمون، إضافة إلى الانسحابات المتتالية في يبرود والدخانية، وفرض قرار الانسحاب من المليحة، والشراكة مع النظام في حصار الغوطة الشرقية برفع معدلات أسعار السلع، وكبح خطر التشكيلات التي تسيطر على أحياء برزة والقابون وحي تشرينعلى العاصمة، إلى مرحلة تقديم أوراق اعتماد فصيله إلى قوىً إقليمية كبرى.


من أجل تقديم "جيش الإسلام" كقوة وحيدة، منظمة، في دمشق الكبرى (العاصمة والريف) كان يتوجّب على قوات علوش أن تتوسع في الحزام الشرقي للعاصمة، وهي منطقة تمتدّ من حي برزة شمالاً إلى عين ترما انتهاءً في منطقة المرج في الغوطة. وهذا المسعى واجه عقبات، أبرزها وجود فصائل أخرى تتقاسم السيطرة مع قوات علوش على تلك المساحة من الغوطة. أبرز تلك الفصائل كانت "فيلق الرحمن"، وحركة "أحرار الشام"، و"جيش الأمة"، و"الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام".


في خطوة أولى، أُنهي خطر هذه الفصائل من خلال تكبيلها في "القيادة العسكرية الموحدة" في الغوطة، التي تشكّلت أواخر العام الماضي، وهي تمنع تشكيل أي فصيل عسكري جديد في الغوطة، والكلمة العليا في هذه القيادة لزهران علوش، الذي عيّن زعيم "الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام" أبو محمد الفاتح، نائباً له في القيادة، وأعطى لقائد "فيلق الرحمن"، عبد الناصر شمير، منصب القائد الميداني. أما "جيش الأمة" وهو نواة الجبهة الجنوبية في الغوطة، وقائده أبو صبحي طه، فكان يعلم جيداً أن الهدف من القيادة الموحدة ليس سوى استفراد علوش بالمنطقة كاملة، فاعترض علناً عليها خلال الاجتماعات التمهيدية لتشكيلها، ليعلن علوش الحرب على فصيل طه، فيما نجح بتذويب حركة "أحرار الشام" داخل "فيلق الرحمن"، التي اتخذت قرار الاندماج مع الفيلق من دون موافقة مجلس شورى الحركة في تركيا، مستغلاً في ذلك فقرها وعدم استقرارها المالي في الغوطة، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى اقتتال بينها وبين "فيلق الرحمن" في بلدة عربين، بعدما أعلنت انفصالها عن الفيلق، فحسم علوش الخلاف من خلال "دار القضاء الموحد"، التي أفتت بعدم جواز انفصال الحركة عن الفيلق، أو جواز ذلك في حال سلّمت عتادها العسكري إلى "فيلق الرحمن"، وهذا الأمر حسم خلال لقاء زهران علّوش مع أمير الحركة، هاشم الشيخ، في تركيا، حيث تشير المعلومات إلى أن الاتفاق يقضي بأن تعود الحركة إلى طاعة "جيش الإسلام"، وتشكّل فروعها في القنيطرة ودرعا تحالفات معه، بهدف خلق توازن عسكري يكبح هجوماً واعداً، ومنفرداً، على العاصمة تقوده تشكيلات الجيش الحر في درعا والقنيطرة.


بعد نجاح علوش في ربط تحركات تلك القوى بقرار القيادة العسكرية الموحدة، استكمل مخطط التوسع باتجاه العاصمة، فخاض حرباً ضد "جيش الأمة" مطلع العام الحالي وأنهى نفوذه في الغوطة، من خلال ما أسماه حملة "تطهير البلاد من رجس الفساد" التي ضرب بها أخصامه بذراع القيادة الموحدة و"جبهة النصرة"، وتابع التوسع إلى أحياء برزة والقابون وتشرين، قبل يوم واحد من وصوله إلى تركيا.


البعض قرأ من تحركات زهران علوش الأخيرة تحضيراً لعمل عسكري كبير في دمشق، ينتهي بسيطرته على العاصمة، على أن ذلك استكمال لقرار دول الخليج الوقوف في وجه إيران بعد إطلاق "عاصفة الحزم" في اليمن. لكن تلك القراءات كانت تفتقر إلى وقائع تسندها، وكل ما استطاع أصحابها الحصول عليه من دلائل كان مجرد تغريدات على "تويتر" لشخصيات إعلامية أو دينية بارزة في الخليج، كما أنها جنحت في كثير من الأحيان إلى السقوط في مغالطات كبيرة، لاسيما حينما كانت تَربط تحركات علوش مع تقدم الجيش السوري الحر في الجنوب، وتحديداً في معبر نصيب، وبصرى الشام حيث أن المعركة هناك كانت مندلعة قبل "عاصفة الحزم".


في مراقبة تحركات علّوش، لابد من النظر إلى الطرف الآخر الذي يقترب من دمشق، وهو الجبهة الجنوبية التابعة للجيش الحر. وذلك يعطي إحاطة أكبر لفهم طبيعة التشكيلات وأهداف التحركات نحو الميدان الأخير المفترض في العاصمة. ففي الجنوب، تجمع تشكيلات "القيادة العسكرية الموحدة" في الغوطة خصومة مكبوحة إلى حد ما، مع الجبهة الجنوبية، لاسيّما أن تلك القيادة قضت على نواة للجبهة في الغوطة، بإنهاء "جيش الأمة" وتحجيم "اللواء الأول" داخل برزة والقابون خلال المعركة التي جرت مؤخراً في تلك الأحياء ضد عناصر موالين لـ"داعش". كما أن الأطراف الإقليمية الداعمة للجبهة الجنوبية تحكمها مصالح مختلفة عن الداعم الإقليمي لـ"جيش الإسلام" وعموم الفصائل الإسلامية الكبرى. و"جيش الإسلام" بالنسبة إلى الجيش الحر في الجنوب هو فصيل إسلامي، سلفي جهادي، يحتكم إلى الفتاوى، ومفهوم الولاء والبراء، وهذه الأدبيات تم الخلاص منها في درعا والقنيطرة إلى حد كبير. لذا، تصب تلك المعطيات في سياق محاولة "جيش الإسلام" العمل على احتمال أن تكون إرادة دولية، أو عربية على الأقل، قد تشكّلت لإسقاط الأسد، ولذلك هو يحتاج إلى توسيع نفوذه بالاعتماد على شركاء إقليميين محتملين؛ والقول الآن إنه حقق ذلك في الاجتماعات التي عقدها في تركيا. أما الجبهة الجنوبية، فهي في خط مناقض تماماً للتكوين العقائدي لـ"جيش الإسلام"، فضلاً عن بذور الخصومة الموجودة أساساً بينهما، ولذلك هما بعيدان عن العمل المشترك، أو التحالف، حالياً.


هناك تغييرات إقليمية كبيرة تحصل سيكون لها تداعيات في سوريا. هذا صحيح، لكن هل اتخذ القرار بالخلاص من الأسد؟ هذا ما لم يتضح حتى الآن، وفي ما لو حصل سيكون على شاكلة التدخل في اليمن، الذي لم يعرف به المسؤولون اليمنيون أنفسهم، باعتراف خالد بحاح رئيس الوزراء، أو حتى على صورة مشابهة لانطلاق عمليات التحالف العربي-الغربي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

فادي الداهوك

فادي الداهوك

رئيس قسم عرب وعالم، تويتر: fadidahouk