آخر تحديث:14:07(بيروت)
الأربعاء 18/03/2015
share

"الثورات" السورية

خلدون النبواني | الأربعاء 18/03/2015
شارك المقال :
"الثورات" السورية الصراع الحاصل منذ أربع سنوات على الأقل من عمر الثورة، قد أثبت استحالة التحوُّل البنيويّ الداخلي للنظام
نتيجة التطورات الدرامية وكثرة الأيدي التي سرقت "الثورة السوريّة الأولى" محرّفةً أياها إلى صراع دينيّ، إثنيّ، هُوياتيّ، إقليميّ، دوليّ، بل ووجوديّ انطولوجيّ، صار لفظ "الثورة" يعني أشياء كثيرة، غير منسجمة دائماً، بل متناقضة ومتحاربة في ما بينها حد الإقصاء والإلغاء والقتل.

ما هي الثورة السوريّة اليوم؟ هل هي ثورة الستة أشهر الأولى على الأقل من عمر الثورة، حيث كان الحراك لا يزال سلميّاً وأهداف الثورة تجمع كل السوريين الذين كانوا لا يزالون يملكون شيئاً من سُلطة القرار السوريّ للثورة؟ هل هي الثورة التي اضطُّرت للتّسلُّح بعد ذلك نتيجة قمع النظام ودفعه الثوار السلميين إلى حمل السلاح فتكوّن الجيش الحر وكانت أهدافه مُحدّدة إلى حدِّ ما؟ هل هي ثورة "مؤسسات المُعارضة" السياسيّة السوريّة التي فقدت كل سلطة وقرار ذاتيّ؟ أم هي سلطة التشكيلات الدينيّة الإسلاميّة المُسلّحة والمُتطرِّفة التي احتلت واجهة الصراع اليوم واستأثرت باسم الثورة بينما راحت تُحارب بعضها البعض؟

كل هذه التوجهات الكثيرة: المدنيّة، والعلمانية، والديمقراطيّة، والعسكريّة، والأوتوقراطيّة، والمُعتدلة، والمُتطرِّفة، والوطنيّة، والعميلة تتحدّث جميعها باسم الثورة السوريّة. من هنا حاجتنا المُلحّة إلى تحديد ما نعنيه بعبارة "الثورة السوريّة". مع التأكيد أن هذا السعي لتحديد المُصطلح ليس بطراً فلسفياً وإنما حاجة عمليّة ومُلحّة حتى لا نزيد من تعقيد الوضع أكثر مما هو عليه تعقيداً.

مع ذلك، ورغم تنافر وتعارض أهداف هذه التيارات غير المتجانسة حد الإلغاء، إلا أنها جميعاً تيارات ثائرة ضد خصمٍ ما أو خصوم عدّيدين: النظام الأسدي والاحتلال الإيرانيّ غالباً، لكن ضد بعضها البعض أحياناً كثيرة أُخرى. من هنا يمكن لنا القول إنها تقوم جميعها بثورة، وبمعنى أدق بثورات، رغم أننا قد نختلف على توصيفها: ثورات تقدّمية أو رجعية أو إسلاميّة معتدلة أو متطرّفة أو مدنية، الخ. وهي بنضالها أو بحروبها لتحقيق أهدافها تقوم بعملية تغيير للواقع السوريّ، بغض النظر عن اختلاف كل طرف على نوع التغيير المطلوب والدفاع عنه.

القدرة على التغيير ليست متساوية بين هذه التيارات، وقد تغيرت فاعليتها ومواقعها كثيراً عبر مراحل الثورة السوريّة. فإذا كان الصوت السوريّ المدنيّ الديمقراطيّ السلميّ، هو الغالب في الشهور الأولى من عمر الثورة، فإن صليل السلاح وصوت الرصّاص سيحل مكان الصوت المدنيّ وستتعسكر الثورة. أيضاً في تلك المرحلة كان الجيش الحُر يُمثِّل تياراً غير دينيّ تماماً تطوع لحماية أهداف الثورة، لكن ذلك كان دون شك على حساب التيار المدنيّ الديمقراطي. بعد ذلك بدأت ماكينة التفريخ الإسلاميّة تعمل بنشاط بتوجهات أيديولوجية إسلامويّة رجعية متفاوتة في درجات تشدُّدها وتطرّفها. وقد أدّى دعم هذه التيارات عسكرياً ولوجستياً ومالياً من قبل جهات عدّيدة إلى طغيان صوتها على كل الأصوات الثوريّة الأُخرى باسم الثورة والتغيير.

الثورة السوريّة بين كل هذه الفوضى من الثورات "السوريّة"، هي ثورة الديمقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدنيّ التعدّدي وأقرب ما يمثِّلها الأشهر الأولى للثورة السوريّة. لكن هذا التيار يكاد لا يُسمع صوته اليوم بعد أن أٌقصته عن الساحة تيارات الإسلام الجهاديّ.

الأُفق مفتوحٌ أمام جميع هذه الثورات السوريّة، لكن مرّة أخرى، يضيق ويتسع أمام كل تيار بقدرته على إثبات نفسه بوصفه خطاب قوّة وصراع أيديولوجيّ سياسيّ، ليس فقط ضد النظام وإنما ضد غيره من التيارات الأيدولوجيّة التي ظهرت في غضون السنوات الأربع من عمر الصراع مطالبةً بأحقيتها في "الثورة".

أما التغير فقد وقع وهو يقع كل يوم ويسير بسرعة على قدّمٍ وساق بينما تدور سوريا في زوبعة التغييرات حدّ فقدان ملامحها.

قد تنجح الثورة السوريّة بهذا المعنى، لو توقف صوت السلاح وعمليات القتل وصار هناك إرادة دوليّة حقيقيّة في إنقاذ مؤسسات الدولة السوريّة وتجفيف منابع الإرهاب التي تدّعي محاربتها.


الإسلام السياسي



وصول التيارات الإسلاميّة إلى السُّلطة بعد إسقاط الأنظمة السابقة في كل من تونس ومصر وتوحُش الإسلام السياسيّ المُتطرِّف في كل من اليمن وليبيا والعراق وسوريا، ما هو إلا تجليّ سياسيّ من تجليات الإسلام السياسيّ وإعادة إنتاجه لنفسه، بعد مراحل زمنيّة تم قمعه فيها مع أنظمة دكتاتوريّة، فظل جمراً ثاوياً تحت الرماد يتحين فرصة العودة للاسئثار بالسُّلطة.

كما أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلاميّة، ممكن إذا توقف مده، من قبل داعميه، بالمال والسلاح، وضبط الحدود وتدمير ما تبقى من قوته العسكريّة حتى تنتهي هذه الفزاعة من القش.

ويبقى علاج مشكلة الإسلام السياسيّ، بشكل جذريّ وعلى المدى البعيد، غير ممكنة التحقق، إلا ضمن إطار ديمقراطيّ طويل النَّفَس، تحترم فيه قواعد لعبة الديمقراطية وحدودها.


المعارضة رهينة الخارج

صار معروفاً بأن النظام قضى على أي شكل مُنظّم وفاعل للمعارضة على مدى نصف قرن من استئثاره بالسلطة، وإقصاء لخصومه وقتلهم وتقليم أظافرهم. وأن النظام الفاسد يُنتجُ معارضة فاسدة. كما أن أمراض الشخصيّة السوريّة: كتضخم الأنا، وعدم الاعتراف بالاختلاف، والتجذّر الخفي فيها لهويات ما قبل المواطنة المدنيّة الحديثة، أصبحت جليّة. كل هذا صحيح ونتائجه لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو ذكاء لكن يظل بأن هذه الأمراض الحقيقية للمعارضة السوريّة، ليست إلا سبباً ثانويّاً يُضاف إلى السبب الرئيسيّ في شرح وضعها المُزريّ حالياً. والسبب الرئيسيّ هو اضطرارها مع تحوُّل الثورة السوريّة إلى طور التّسلُّح، للاعتماد على الخارج بشكل متزايد لمواجهة تطرُّف نظام الأسد الذي قرّر القضاء على الثورة، بأي ثمن، مدعوماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً دون حدود من قِبل إيران وروسيا والميليشيا الشيعيّة المُقاتلة في لبنان والعراق.

وبمعنى آخر، لحاجتها المتزايدة إلى الخارج، راحت المعارضة المحتاجة إلى هذا الخارج لكي تبقى، تفقد قرارها الوطنيّ وتمثيلها الشعبيّ، شيئاً فشيئاً، ما أدى إلى تبعيتها الكاملة إلى عدّد من الأطراف الخارجيّة لها مصالح متضاربة في سوريا، ما زاد الطيّن بلة.

قرار المعارضة لم يعد بيدها، لأنها مُضطرة للتعامل مع الخارج، وحتى لو كانت شخصياتها أكثر وطنيّة وأكثر إرادة وأكثر نظافة وأقل ارتشاءً ومقاولةً وسوءاً، لما كان الأمر تغير كثيراً. فقد استولى الخارج بالكامل، مع اضطرار الثورة للتسلُّح، على سوريا نظاماً ومعارضة.


سوريا وتغير "باراديم" السياسّة

استخدام فكرة "ثورة الباراديم" بدل فكرة "التحوّل البنيويّ"، أصبحت ضرورة، ولعل الفرق بين الإثنين، يقوم على أن تغير الباراديم هو عمليّة ثوريّة قطعيّة في حين أن "التحوّل" البنيويّ هو غالباً عملية تراكم وتحوّل نوعي تدريجيّ لا يُمثِّل قطيعة حادّة. فالتغير في سوريا كان يجري على قدمٍ وساق رغم إنكار النظام لذلك وعدم رغبته بتغير الأوضاع، وبمعنى آخر كانت مقومات الثورة الأساسيّة قد تحققّت تاريخياً ولم يكن على السوريين إلا إعلانها وهذا ما حصل مع انتشار ثورات الربيع العربي. هذه المقومات تُشير إلى الناس لم تعد تُطيق "بنيّة" النظام الأمني السوريّ بكل تصلبها واحتكاريتها وإقصائها وبوليسيتها الأمنيّة.

الواقع كان يتغير من الخارج، بينما تتصلب بنية النظام السوري على نفسها أكثر فأكثر في مواجهة ما يحصل. لكن، ورغم كل عناد النظام السوريّ وإصراره على عدم تقديم تنازلات، فإن الصراع الحاصل منذ أربع سنوات على الأقل من عمر الثورة، قد أثبت استحالة التحوُّل البنيويّ الداخلي للنظام، كما تعلمنا أدبيات الفلسفة البنيوية، وإنما إلى تغييره بالإكراه المفروض من خارج بنية النظام، تغييراً فرضته الثورة والصراع، في وعلى، سوريا وسيرورة التاريخ والتغير.

وبما أن النظام غير قابل للتحوّل البنيوي الداخليّ فإن تغييره سيكون في النهاية تغييراً لباراديم السياسة البعثية الأسديّة بالكامل. وبما أن السوريين قد فقدوا مصيرهم الآن وهم معتمدون بالكامل على الخارج نظاماً ومعارضة ما سيترك الباب مفتوحاً أمام هذا الخارج، العربي والإقليميّ والدوليّ، إلى التصارع على تغيير باراديم سياسة البعث الأسدي بالقوّة ومن الأعلى وفق ما تؤول إليه نهايات الصراع السياسيّ بينهم.

تكاد نهاية الصراع، في وعلى، سوريا تبدو جليّة للجميع، فالصراع العسكري لن يُحسم لصالح أي طرف وستكون هناك في النهاية مفاوضات من أجل انتقال السُّلطة في سوريا مع الدعوة للمحافظة على مؤسسات الدولة السوريّة بالحياة، وقد يظل بشار الأسد "رئيساً" شكلياً في فترة انتقالية لكن التغيّر، لم ولن يكون بنيوياً من داخل بنية نظام متوحش أعمى وأصمّ لم يستطع أن يلتقط اللحظة التاريخية لإجراء تحول بنيويّ فرفض آلية حركة التاريخ ولا يزال ينكر لليوم حق الشعب السوريّ في السيادة والحياة والحرية والكرامة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

خلدون النبواني

خلدون النبواني

أكاديمي سوري في جامعة السوربون باريس-1

مقالات أخرى للكاتب