آخر تحديث:14:20(بيروت)
الأحد 20/07/2014
share

نبض الضفة.. مقاومة

رام الله - مالك سمارة | الأحد 20/07/2014
شارك المقال :
نبض الضفة.. مقاومة هنا لم يعد كثيرون يعوّلون على "المقاومة السلمية و"مشاريع التسوية" و "ثقافة اللاعنف" (أ ف ب)
كان للسلطة الفلسطينية دور رئيسي في القضاء على أي نزعة مقاومة في الضفة الغربية. فمنذ انتهاء الانتفاضة الثانية، وقدوم "جيل أوسلو" الجديد، بقيادته القابضة على السلطة إلى الآن، تراجعت بشكل ملحوظ وتيرة الأعمال العسكرية المنطلقة من الضفة ضد الاحتلال. واستطاعت السلطة أن تفكك كافة الفصائل المسلحة العاملة في الضفة الغربية، ومن بينها كتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكري لحركة فتح. ربما يعد مشهد تهافت المئات من مقاتليها القدماء لتسليم أسلحتهم للسلطة، مقابل رفع اسمائهم من قوائم المطلوبين لإسرائيل، آخر المشاهد التي أُسدل عليها ستار الانتفاضة الثانية.

اليوم عادت المقاومة لتتصدر المشهد في الضفة الغربية، وإن على المستوى المعنوي والتفاعلي فحسب؛ فمظاهر الاحتفاء بالمقاومة الفلسطينية في غزة تُشاهد في كل شارع، في كل زقاق وبيت، وتُسمع على كل لسان. أغاني "القسام و "سرايا القدس" تصدح وسط مدينة رام الله عبر مكبرات الصوت، وعلى مرمى حجر من مقاطعة السلطة. منذ فترة ليست بالبعيدة، كان مجرد الهمس عن "القسام" يعد من المحرّمات. هنا لم يعد كثيرون يعوّلون على "المقاومة السلمية و"مشاريع التسوية" و "ثقافة اللاعنف"، التي ظلت السلطة تضخها عبر خطابها وإعلامها الرسمي خلال عقد من الزمن. هنا بات كثيرون يعتبرن الشرعية فقط هي لمن يقاوم.

في الأمس القريب فقط، كانت السلطة الفلسطينية تبتز حركة حماس في غزة عبر ورقة الرواتب؛ بعد أن امتنعت حكومة "المصالحة" المشكلة حديثاً عن سداد مستحقات 40 ألف موظف تابع للحكومة المقالة في غزة، وألقت مسؤوليتهم في وجه حماس. كان قياديو فتح والسلطة الفلسطينية، ومن ضمنهم الذين شاركوا بشكل مباشر في صياغة اتفاق المصالحة، يتحدثون بنبرة استعلاء عن رضوخ حركة حماس لكافة شروطهم. مدركين حجم الأزمة التي تحيط بالحركة، عقب تشديد الخناق عليها من حكام القاهرة الجدد. فمارسوا عليها مزيداً من الضغوط. تلا ذلك بفترة قصيرة، الحملة المسعورة التي شنتها إسرائيل ضد حماس في الضفة؛ حيث طالت اعتقالاتها حوالى 700 من أنصارها وكوادرها في مختلف المدن. كما توعد قادة إسرائيل بأن يكون "الانضمام إلى حماس تذكرة دخول إلى جهنم". كانت الحركة، وتالياً المقاومة، في أسوأ ظروفهما، لكن النتائج جاءت عكسية.

المتابع لنبض الشارع في الضفة، من خلال النقاشات الدائرة، والحراك على الأرض، ووسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ الارتفاع الملحوظ في شعبية المقاومة، وثقافة المواجهة مع الاحتلال، مقابل القنوط من مشاريع "الحل السلمي". فمنذ خطف المستوطنين الثلاثة في الخليل جنوب الضفة الغربية، شنت إسرائيل عملية واسعة لم تسلم منها أي مدينة في الضفة الغربية، وقتلت خلالها 11 فلسطينياً، نصفهم من الأطفال، وعلى رأسهم الشهيد محمد أبو خضير. لا تلك الجريمة ولا سابقاتها دفعت السلطة للتحرك، وتنفيذ وعودها بالانضمام إلى المنظمات الدولية. وظل قادتها يطلقون التصريحات الجوفاء، في الوقت الذي استمرت فيه قوات الأمن بقمع كل المسيرات المنطلقة إلى مناطق التماس. لا بل أن السلطة عمدت إلى إطلاق سراح بعض المعتقلين لديها من حركة حماس، ليتسنى لإسرائيل اعتقالهم. في حين كان ساستها يدينون تلك الاعتقالات على الهواء. لم تشف السلطة غليل الشارع المعبأ، بل سعت إلى كبته، حتى جاءت المقاومة لتملأ هذا الفراغ. وكان لاشتراط المتحدث باسم كتائب القسام أبو عبيدة، وقف اعتداءات الاحتلال في الضفة والقدس للتوصل إلى تهدئة، دلالة هامة وبالغة الأثر: المقاومة تفرض شروطها خارج حدود غزة، في حين لا تزال السلطة عاجزة عن حماية مناطقها.

حالة الاحتقان والغضب في الشارع الفلسطيني، وصلت حتى داخل القواعد الشعبية لحركة فتح. فالكثيرون من جماهير الحركة غاضبون على أداء السلطة، ومستاؤون من تراجعها واختفائها عن المشهد تماماً. يقول أحد كوادر الحركة في مخيم قلنديا لـ"المدن"، إن الحركة تضررت كثيراً بسبب ممارسات السلطة، وأدائها السياسي والإعلامي، وخلافاتها الداخلية. معتبراً أن إنهاء "التنسيق الأمني" أصبح ضرورة ومطلباً وطنياً، "وليس مبرراً أن تماطل السلطة فيه، فهناك أصوات كثيرة داخل الحركة باتت تطالب بإنهائه". ويضيف "حركة فتح دائماً كانت القلب النابض للجماهير الفلسطينية، وعليها أن تستعيد دورها كمرجعية لحراك الشارع".

بالتوازي مع ذلك، يمكن القول إن حالة عدم الرضا تلك لا تقتصر فقط على القواعد الشعبية في حركة فتح، بل تنسحب أيضاً على المستوى القيادي في فتح والسلطة. يمكن ملاحظة ذلك، من خلال التضارب في تصريحات قيادات الحركة. فالرئيس محمود عباس مثلاً، قال بالأمس لنائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، إنه "لايمكننا هزيمة إسرائيل ولا أميركا، وعلينا أن نقبل بالمبادرة كما هي". صدر موقف مماثل عن مستشاره، الطيب عبد الرحيم، الذي اعتبر أن رفض المبادرة "متاجرة بالدم الفلسطيني". لكن تصريحات مخالفة تماماً، صدرت عن قيادات أخرى وازنة، من ضمنها أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه، الذي قال بالأمس: "غزة تدافع عن المشروع الوطني الفلسطيني، وأنا فخور بالمقاومة". كذلك، كان هناك تصريح سابق لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي، قال فيه صراحة: "هناك في مؤسسة الرئاسة من يعتبر أنه مقدر علينا أن نظل عبيداً لإسرائيل".

شارك المقال :