حجم الخط
مشاركة عبر
هاجس كبير يراود اليوم مرشحي الرئاسة في تونس؛ من يصل منهم أولاً إلى قصر قرطاج. ويبدو هذا الهاجس مشروعاً تجاه منصب بقي حكراً على الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لحوالي ربع قرن. ووسائل تحقيق الوصول إلى القصر، على أرض الواقع، تبدو حتى الآن غير مشروعة، في ظل ازدحام المحاكم بعشرات الدعاوى، التي يَتهم فيها بعض التونسيين "سفراءهم إلى قرطاج"، بالتزوير عبر إقحام أسمائهم في قائمات التزكيات الشعبية الخاصة بهم. وهو ما يدعو البعض للتساؤل حول مستقبل بلاد يقودها "رئيس مزوِّر"، يُذكّر أساساً بسياسات النظام السابق، الذي ناضل التونسيون طويلاً لإسقاطه والتخلص من تبعاته لاحقاً.
عدد المتهافتين على منصب الرئيس التونسي، سجل رقماً عالمياً جديداً تجاوز السبعين، وفسره البعض بـ"التعطش التاريخي" لمنصب بقي لسنوات طويلة بعيد المنال، في بلد أفاق فجأة على حلم ديمقراطي جميل بعد ستة عقود من ديكتاتورية "محمودة" في نصفها الأول زمن الحبيب بورقيبة، ومقيتة في جزئها الأخير الذي انتهى بهروب بن علي.
ويبدو أن هيئة الانتخابات التونسية حاولت التخفيف من ازدحام الطريق إلى قرطاج، برفض حوالي ثلثي ملفات الترشح، 41 ملفاً، خالفت الشروط المتعلقة بمرشح الرئاسة. وهذه الشروط يُجملها الفصل 41 من القانون الانتخابي، بتزكية المرشح للانتخابات الرئاسية من قبل عشرة نواب، أو عشرة آلاف ناخب موزعين على عشر دوائر انتخابية، على ألا يقل عدد الناخبين في الدائرة الواحدة عن 500 ناخب في كل دائرة. كما يلتزم المرشح أيضا بإيداع ضمان مالي يقدّر بحوالي 6 آلاف دولار في الخزينة العامة للدولة، لا يتم استرجاعه إلا عند حصوله على ثلاثة في المئة من الأصوات.
غير أن الخلاف حول الأسماء المرشحة للرئاسة لم ينتهِ بإعلان الهيئة لقائمتها النهائية، التي تضمنت 27 اسماً، بعد انسحاب اثنين منهم قبل إعلان النتائج. بل إنه زاد تعقيداً بعد الكشف عن قيام ثلث أعضاء القائمة، تسعة مرشحين، بـ"تزوير" تزكياتهم، وفق ما أكده عدد من المنظمات الأهلية المتخصصة في مراقبة الانتخابات، بناء على قوائم التزكية التي نشرتها الهيئة. هذا فضلاً عن الدعاوى التي تقدم بها مواطنون، فوجئوا بأنهم قاموا بتزكية بعض المرشحين دون علمهم.
هيئة الانتخابات التي تعاني أساساً من نقص كبير في كوادرها، حاولت "التملص" من مسؤولية التدقيق في قوائم التزكيات المقدمة من قبل المرشحين، مشيرةً إلى أن هذا الأمر شبه مستحيل في ظل وجود 800 ألف تزكية يفترض التحقق منها خلال 4 أيام فقط. لكنها، في المقابل، نشرت جميع قوائم التزكيات "تأكيدا للشفافية"، وأعلنت لاحقا إطلاق خدمة هاتفية مجانية لتمكين التونسيين من التأكد في حال تم استعمال هوياتهم في تزوير ملفات تزكية.
مرشحو الرئاسة سارعوا لنفي شبهة التزوير وتفاوتت ردود أفعالهم حول الأمر. إذ تخلى بعضهم عن قوائم التزكيات الشعبية، مكتفياً بالتزكية البرلمانية، فيما هاجم آخرون هيئة الانتخابات والمنظمات الأهلية المتخصصة في مراقبتها (ووصل الأمر إلى حد تهديد رئيس الهيئة وبعض المنظمات). في حين حاول آخرون التقليل من أهمية هذا الأمر، مذكّرين بـ"تاريخهم النضالي" عبر عقود. بل إن بعضهم حاول أداء دور "المخلّص" من الوضع السياسي والاقتصادي المتردي في البلاد، داعياً الناخبين لتناسي شائعات التزوير التي يقف خلفها "أعداء الثورة".
أحد المراقبين لخّص الموضوع بعبارة واحدة: "هل أقمنا الثورة كي يحكمنا المرتزقة وتجار المخدرات؟"، مذكرا في الآن ذاته بقرار هيئة الانتخابات تمكين أصحاب السوابق العدلية من الترشح للانتخابات البرلمانية، وهو ما أثار جدلاً كبيراً حول هوية مَن سيحكمون البلاد بعد أربعة أعوام على الثورة.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها