آخر تحديث:02:07(بيروت)
السبت 19/10/2013
share

حب فلسطين وكره الفلسطينيين

ساري حنفي | السبت 19/10/2013
شارك المقال :
حب فلسطين وكره الفلسطينيين بعض الدول منعت حتى لم الشمل للعائلات الفلسطينية (أ ف ب)

في ظل تداعيات الثورة السورية، نشأت مشكلة إنسانية كبرى تتمثل باقتلاع أكثر من أربعة ملايين سوري من ديارهم، نصفهم نزح داخلياً والنصف الآخر لجأ الى الخارج، ولا سيما الى الدول المجاورة (لبنان، الأردن وتركيا).

وتشكل حالة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا الأكثر صعوبة، حيث تم تحويل بعض تجمعاتهم الى ساحات معارك بسبب موقعها الجغرافي، إذ أنها تقع على حدود الموت حيث احتدمت المعارك بين الجيش السوري الحر والجيش النظامي السوري في مخيمات اليرموك، التل، عائد، الرملة، الخ...

وبينما تم التجاوب الى حد ما مع حركة لجوء السوريين، أوصد باب اللجوء كلياً بوجه الفلسطينيين، ولا سيما في دول أعلنت دعمها لمكونات سوريا السكانية. هذه الدول هي لبنان، الأردن، تركيا، قطر، الامارات العربية المتحدة والسعودية.

 أظهر بحثنا الميداني حول الفلسطينيين من سوريا، أن لبنان قد أوصد بابه امامهم منذ بدء شهر آب 2013، إلا في حال اثبات اللاجىء أن لديه فيزا وتذكرة سفر للمغادرة عبر مطار بيروت. إلا أن الفساد في لبنان كان "نعمة"، على الأقل من وجهة نظر بعض المقتدرين الفلسطينيين الذين رضوا بدفع رشوة 100 دولار للفرد للدخول الى لبنان.

أما الأردن وقطر والسعودية والامارات العربية المتحدة فلم تقفل فقط أبوابها بوجه اللاجئين الفلسطينيين، ولكنها منعت أيضاً حتى لمّ الشمل. ولا يعتبر ذلك فقط انتهاكاً لمعاهدات حماية اللاجئين ولكن أيضاً انتهاكاً لحق أساسي من حقوق الانسان.

حاولت التدخل في حالة طالب فلسطيني من سوريا أمه أردنية الأصل لكي يسمح له بدخول الأردن حيث تم قبوله من احدى جامعاتها، وقد استعنّت بشخصيات أردنية سياسية مرموقة ولكن عبثاً. وقال لي أحدهم إنه لا يسمح لدخول أي فلسطيني سوري اذا كان عمره ٦ سنوات ويوم واحد، وذلك لأسباب أمنية. إذاً يصبح الفلسطيني ارهابياً منذ نعومة أظفاره.

وما اثار الذهول في زيارتي الأخيرة لعمان وتصفحي لصحفها حراك نسائي ونسوي هناك حول قضايا هزيلة تظهر أن الحركة النسوية هي أقرب لحركة "صالونات" أكثر منها حركة فعلية لتحرر المرأة. فتحرر المرأة يبدأ من الاعتراف بمواطنيتها وبحقها في توريث جنسيتها أو على الأقل منحها الإقامة لأطفالها وزوجها، وذلك أضعف الإيمان.

قد يتساءل المرء لماذا هذه المفارقة بين المواقف السياسة والممارسة الحدودية في هذه الدول. الفرضية الأكثر تجلياً بالنسبة لي هي انفصال وهيمنة الجهاز الأمني عن السلطة السياسية المفترض أن تكون منتخبة.

لقد تضخمت البيروقراطية الأمنية لدرجة أنها أصبحت توجّه السياسي بدلاً من أن تأخذ توجيهاتها منه. يقوم السياسي بإصدار تشريعات تحاول محاكاة اعراف ومواثيق حقوق الانسان، بينما يقوم الأمني بخلق حالة استثناء، بالمعنى الذي اعطاه الفيلسوف الإيطالي جورجيو اجامبين له، أي تلك التي تهدف الى اقصاء غير المرغوب بهم والذين يشكلون فئة "يحتمل أن تكون خطرة"، وعدم الاستفادة من تشريعات السياسي.

لا يعتبر تضخم السلطة الأمنية أمراً جديداً على الواقع العربي، فلقد شعرت به منذ بدأت أسافر إلى الدول العربية. فقد كنت أعاني، كفلسطيني حامل للوثيقة السورية آن ذاك، ليس فقط من طول الأسابيع للحصول على فيزا، ولكن أيضاً من طول الساعات على الحدود العربية (اذكر منها الأردن، مصر، تونس، الجزائر) لدرجة أنني قدمت اهداء في كتابي "هنا وهناك، نحو تحليل العلاقة بين الشتات الفلسطيني والمركز" الى رجالات الأمن في الحدود العربية؛ فـ"الفضل" لساعات الانتظار هناك التي شحذت ذهني لكتابة هذا الكتاب. لا أزال أتذكر حتى اليوم ذهول أخي الكبير عندما زارني في فرنسا وقطعنا الحدود إلى اسبانيا ولم يجد حتى شرطيا واحدا للاطلاع على وثائق سفرنا.

لقد أصر على العودة الى الحدود للحصول على ختم خروج حتى يستطيع الدخول مرة اخرى إلى فرنسا. عدت وقتها وطلبت من رجل البوليس ختم الوثيقة وقد فعلها ولسان حاله يقول "هؤلاء جاؤوا من المريخ!".

نعم ظهر العالم العربي وكأنه خارج التاريخ والجغرافيا العالمية. واذا كان كذلك، فالأمر اليوم لا يحتمل في ظل الربيع العربي. فالحراك الشعبي والتوق للديموقراطية يتجاوز تونس ومصر وليبيا واليمن، والمطلوب ليس فقط "اسقاط النظام"، لكن أيضاً "اسقاط هيمنة البيروقراطية الأمنية" وإخضاعها للسياسي.

هل يعتبر حصول الفلسطيني السوري على حق التنقل خطوة نحو التوطين؟ طبعاً لا. من يستخدمون فزاعة التوطين هم الذين يبدأون دائماً بمقولات كم هم يحبون فلسطين او أنهم ضد الإمبريالية والصهيونية ومع تحرير كامل التراب العربي، ولا ننسى القدس طبعاً. وكأنهم يقولون إن تحرير فلسطين يتم فقط على طريق حصار ومراقبة الفلسطيني، وذلك بمنعه من التنقل (أو حرمانه من حق العمل والتملك كما في حالة فلسطينيي لبنان). وكأنهم يقولون لنا إننا نحب فلسطين ونكره الفلسطينيين.

لقد عكس هذه المفارقة استطلاع الرأي اجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (المؤشر العربيّ للعام 2011)، وأظهر أن 77 في المئة من اللبنانيين يعتبرون أن القضية الفلسطينية هي قضية جميع العرب وليست قضية الفلسطينيين (مقابل 17 في المئة يعتقدون أن القضية الفلسطينية هي قضية الفلسطينيين حدهم ويجب عليهم وحدهم العمل على حلها).

وفي مقابل هذه الارقام تمارس الدولة اللبنانية أسوأ انواع التمييز ضد الفلسطينيين في لبنان حارمة اياهم من ابسط حقوقهم.

لقد اسقطت روح الثورات العربية مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، التي توجت لفكر هرمي يضع الأولوية للمعركة مع إسرائيل والامبريالية على حساب قضايا الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية (بما فيها للاجئين ولعاملات المنازل). وقد ظهر ذلك جلياً في خطاب بعض الأنظمة العربية ولكن أيضاً بعض الأحزاب السياسية

*أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت


شارك المقال :
ساري حنفي

ساري حنفي

أستاذ علم الاجتماع - الجامعة الأميركية في بيروت

مقالات أخرى للكاتب