تركيا : جدار انتقامي؟

مجيد محمدالسبت 2013/10/12
أوضاع اللاجئين يبدو أنها في أسفل قائمة اهتمامات تركيا (تصوير: زانا عمر)
أوضاع اللاجئين يبدو أنها في أسفل قائمة اهتمامات تركيا (تصوير: زانا عمر)
حجم الخط
مشاركة عبر

منطقة الجزيرة (محافظة الحسكة)، الواقعة شمال سوريا، تعرضت منذ بداية الثورة كغيرها من المناطق الأخرى، إلى أشكال مختلفة من المعاناة، تراوحت ما بين المعارك بكل تجلياتها، وموجات نزوح السكان منها باتجاه الحدود التركية وأيضاً العراقية. كما احتضنت الآتين إليها من المناطق السورية الأخرى بصورة متواترة، رغم معاناتها من انعدام الخدمات.

مشهد النزوح باتجاه الأراضي التركية وكذلك العراقية كان هو الطاغي في الآونة الأخيرة، وخصوصاً مع اشتداد حدّة المعارك بين قوات الحماية الشعبية  (YPG) التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي، وبين بعض الكتائب الإسلامية المتشددة وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتنظيم جبهة النصرة.

وبينما فتحت حكومة إقليم كردستان العراق، الباب مشرّعاً أمام النازحين الأكراد الفارين من جحيم الحرب التي حلت في مناطقهم، ماطلت الحكومة التركية في استقبالهم، ما دفع الكثيرين من الناشطين والسياسيين في المنطقة الكردية الى اتهام الحكومة التركية بممارسة سياسة الكيل بمكيالين لأسباب تتعلق بالصراع الدائر ما بين تركيا وبين حزب العمال الكردستاني المناهض لها.

تركيا لم تكتف بذلك، بل قررت تشديد اجراءاتها على الحدود من سوريادارا حسن وهو ناشط حقوقي، تحدث لـ”المدن” عن وجود نوايا لدى الحكومة التركية لبناء جدار حول مدينة القامشلي المحاذية لمدينة نصيبين التركية، إضافة الى عدد من المدن الحدودية في محافظة الحسكة كرأس العين والدرباسية.





معبر الدرباسية (تصوير: زانا عمر)



واعتبر أن تركيا تسعى من وراء هذا الاجراء الى وضع حد أمام عمليات نزوح المهاجرين الأكراد الذين قد يشكلون عبئاً إضافياً على كاهل تركيا، ولا سيما أن المناطق المتاخمة لمنطقة القامشلي على الجانب التركي هي مناطق ذات غالبية كردية

هدف اضافي لتركيا هو محاولة وقف عمليات تهريب السلاح من داخل تركيا من قبل التنظيم الأم "حزب العمال الكردستاني" لحليفه وممثله في سوريا حزب الاتحاد الديموقراطي، تفادياً لتعاظم قوته المسلحة التي قد تتحول في لحظة ما الى قوة مناهضة للمصالح التركية داخل الأراضي السورية.

دوافع لا تجد لها اي تقبل في أوساط أبناء المحافظة. الموقف الأكثر وضوحاً في الاعتراض على اي جدار قد تنبيه تركيا جاء على لسان رئيسة بلدية نصيبين التركية، عائشة كوكان، القيادية في حزب السلام والديموقراطية.

كوكان أكدت بأن أهالي مدينة نصيبين سيرفضون دعوات الحكومة ومحاولتها لبناء هذا الجدار، على غرار ما فعلوا عندما أغلقت الحكومة التركية المعبر بين نصيبين والقامشلي، والذي يوّفر العديد من فرص العمل لأهالي المدينة من خلال عمليات التبادل التجاري  بين الجانبين.

بدورها، أعلنت مجموعة من منظمات المجتمع المدني التركية رفضها بناء جدار فاصل بين المدينتينوفنّدت حجج الحكومة التي قدمتها في وضع حد لعمليات التسلل غير الشرعي وتهريب السلاح، من خلال مقارنة الوضع الحدودي في مناطق أخرى تسيطر عليها قوات غير كردية

وتقوم الكثير من هذه المنظمات بجمع المساعدات الإغاثية لأهالي مدينة القامشلي وتسليمها الى وحدة الإغاثة التابعة للهيئة الكردية العليا من خلال المعبر المغلق، بموافقة الحكومة التركية.

القيادي في تنسيقية الحسكة الموحدة، “ميرال”، أوضح لـ"المدن"، أن المحافظة الشمالية استقبلت العديد من النازحين السوريين من حلب وحمص وديرالزور وغيرها من المناطق.

 وفيما تفيد إحصائيات بعض المكاتب المتخصصة عن بلوغ أعداد النازحين قرابة الـ700 ألفاً، نبّه  ميرال إلى أنه في حال شرعت الحكومة التركية في تنفيذ مخططها ببناء الجدار فإنها ستغامر بأوضاع السوريين في تلك المناطق، لأنهم يعتمدون أساساً على عمليات التهريب من أجل الحصول على الأساسيات اللازمة لاستمرار الحياة من أدوية وحليب أطفال وألبسة وغيرها من السلع الضرورية ولا سيما بعد إغلاق المعابر الرسمية.





تركيا ترفض ادخال حتى المرضى (تصوير : زانا عمر)

لكن أوضاع اللاجئين يبدو أنها في أسفل قائمة اهتمامات تركيا التي لم تُخف قلقها المتزايد من سيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي -الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني - على المناطق الحدودية ذات الغالبية الكردية، خوفاً من امتداد تأثير هذه السيطرة على المناطق التركية المتاخمة لها ذات الغالبية الكردية

دوست وهو من نشطاء المنطقة، اعتبر في حديث لـ “المدن”، أن المخاوف التركية تستند إلى أرضية قوية، فاتفاقية السلام بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني تتعرض للكثير من العراقيل، وتتوجس تركيا من اتخاذ الحزب للمناطق الكردية في سوريا منطلقاً لعمليات تستهدف الأراضي التركية مستقبلاً، أو أن تصبح نقطة تجمع لمقاتلي الحزب المناهضين لها.

ووفقاً للإعلامي والناشط السياسي زانا عمر، سعت الحكومة التركية لاتخاذ إجراءات احترازية للحد من آثار سيطرة الحزب على المناطق الكردية في سوريا، من خلال الضغط على الكتائب الإسلامية المدعومة تركياً لفتح  جبهات عديدة مع قوات الحزب، وكذلك من خلال التضييق على اللاجئين الأكراد.وفي خطوة يمكن أن توصف بأنها أيضاً احترازية، قامت الحكومة التركية بترحيل العديد من النشطاء الأكراد السوريين من أراضيها.

 لكن بالنسبة لآياز، وهو موظف في حقل الرميلان، فإن لدى تركيا بعض المطامع الاقتصادية ولا تتحرك فقط بناءً على مخاوف أمنية. وأوضح لـ"المدن"، أنّه يوجد في المحافظة 1200 بئراً للنفط، متوقفة عن العمل بسبب عمليات التخريب التي تعرض لها الأنبوب الواصل بين حقل الرميلان النفطي شرقي القامشلي ومصفاة حمص من قبل بعض الكتائب الإسلامية، التي لا تزال تقصف بعضاً من هذه الآبار بين الحين والآخر.

وهو ما ذهب إليه الناشط السياسي نوشين، الذي رأى  أنّ هذه الثروة النفطية تمثل هاجساً بالنسبة لتركيا، فهي تحاول العمل على منع القوات الكردية من الاستفادة من هذه الآبار للحصول على مورد مادي يمكن أن يؤدي إلى تقوية دورها وحضورها العسكري في المنطقة.

 أما أبو شيروان الذي يملك محلاً للبقالة في سوق القامشلي، فقارن بين  اغلاق الحكومة التركية للمعابر الرئيسية الثلاثة في منطقة الجزيرة (معبر القامشلي – نصيبين، الدرباسية،  رأس العين) منذ أواخر 2011، واستمرار العمل في باقي المعابر الحدودية على طول الحدود المشتركة والممتدة على مسافة 900 كيلومتراً.

وهو ما حاول أوميد عيسى، وهو تاجر يعمل في مجال الاستيراد والتصدير، تفسيره في حديث لـ”المدن” قائلاً “المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا لها أهمية إستراتيجية كبيرة لتركيا فهي تمتد لمسافة طويلة نسبياً ويصعب السيطرة عليها، ويتوزع فيها الأكراد، الذين تنظر إليهم تركيا كمصدر تهديد دائم ومستمر لحالة الاستقرار الداخلي فيها”.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث