الثلاثاء 2014/11/25

آخر تحديث: 13:31 (بيروت)

"أنتيغون" الإغريقية تحرض لاجئات سوريات على السرد

الثلاثاء 2014/11/25
"أنتيغون" الإغريقية تحرض لاجئات سوريات على السرد
النساء المشاركات في مسرحية "أنتيغون السورية" هنّ من مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، وتتراوح أعمارهنّ بين 16 و56 سنة
increase حجم الخط decrease

من خلال شهادات حية، وتجارب مُعاشة، تستعيد 23 لاجئة سورية حكاية "أنتيغون" الإغريقية في مسرحية بعنوان "أنتيغون السورية" (Antigone of Syria)، ستعرض من 10 إلى 12 كانون الأول على مسرح المدينة في الحمرا. والمسرحية هي نتاج ورشة عمل درامية ستدوم 8 أسابيع، خضعت خلالها النساء لتمارين مسرحية وأخرى سردية تساعدهن في اخبار قصصهن وتجاربهن. وهي من اخراج عمر أبو سعدة، وانتاج شركة Aperta Productions.

أوجه الشبه عديدة بين "أنتيغون" التي ولدت من رحم الأسطورة الإغريقية قبل 26 قرنا، وبين المرأة السورية أو الفلسطينية- السورية اليوم. ففي الحروب غالباً ما تتوجه الأنظار الى الرجال والمقاتلين وتغرق قصص النساء في الإهمال والنسيان. الا أن قصة "أنتيغون" تسلط الضوء على معاناة المرأة الناتجة من الحرب. فكما خسرت "أنتيغون" شقيقيها، خسرت العديد من السوريات أقارب لهن من الرجال، وكما استماتت "أنتيغون" في الدفاع عن أخيها بغية دفن جثته، حاربت الكثير من السوريات دفاعاً عن أسرهن.

ويقول هال سكوردينو، أحد منتجَي المشروع، لـ"المدن" "نرى كماً هائلاً من الأخبار عن سوريا، لكن المرأة مغيبة عن التغطية الإعلامية لهذا الصراع، لذا اردنا أن نعطي صوتاً للاجئات من خلال مسرحيتنا". أما رمزية قصة "أنتيغون" فهي تمثيلها لصراع المرأة التاريخي مع الحرب. ويقول الكاتب المسرحي (دراماتيرج المسرحية) محمد العطار، في هذا السياق، "أنتيغون هي من أولى المسرحيات التي أعطت للمرأة مساحة كبيرة لتعبر عن مشاكلها الخاصة في المعارك القتالية، وهي بمثابة إعادة صياغة للتاريخ الذي يُكتب من وجهة نظر الرجال فحسب".
النساء المشاركات في هذه المسرحية هنّ من مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، وتتراوح أعمارهنّ بين 16 و56 سنة. وهنّ نساء عاملات وربات منزل لا تجربة سابقة لهنّ في التمثيل، وهذا ما سيخلق بحسب سكوردينو "مسرحية عضوية". والحال أن فريق الإنتاج، وفقه، لم ينتق السيدات بالإعتماد على تجارب أداء بل ساعدته جمعية لبنانية في الوصول الى أربعين امرأة لاجئة، أختُرن جميعاً للمشاركة في العرض. الا أن العدد تدنى الى 23 امرأة، بعد خروج بعضهن من المشروع بسبب معارضة أزواجهن له أو لتعذر تركهن أطفالهن والقدوم يومياً الى التدريب، مع العلم أن القيمين على المشروع أنشأوا حضانة خاصة لأطفال السيدات المشاركات.

قصة "أنتيغون" هي الإطار الذي حيكت حوله المسرحية، الا أن النص يستند الى حكايات النسوة وهو من صياغة محمد العطار. فبعيداً من الطبيعة الجماعية للحرب، تُسلّط هذه المسرحية الضوء على تجارب فردية. ويشرح العطار بأن خيار اشراك النسوة في صياغة النص كان "لإفساح المجال لهن للحديث عن ذكرياتهن الحقيقية ووجهات نظرهن الخاصة كأفراد مختلفين". وتتمحور شهادات النساء، وفق العطار، حول "أعباء وتابوهات يواجهنها"، والتي هي "لبنانية بقدر ما هي سورية، كونها قصصاً عن الحرب السورية وعن التهجير، وما يلازمه من تعرض لعنصرية لبنانية"، بحسب سكوردينو.

جزءٌ مهم من المرحلة التحضيرية كان فهم النساء لـ"أنتيغون" ومطابقتها لجوانب من قصصهن الشخصية. ويؤكد العطار أن "كل امرأة منهن رأت معضلتها تتقاطع مع لحظة من حياة شخصية أنتيغون". وتقول فاطمة، احدى اللاجئات/ الممثلات التي تأتي مع أختيها: "أرى نفسي من خلال تصوير شخصية أنتيغون، فأنا وكل النساء السوريات مظلومات مثلها، ونحن مثلها قويات نستطيع الدفاع عن وطننا وأحبائنا عند اللزوم".

اللافت أن النساء جميعا محجبات، وهذا أمر غير معهود الى حد ما في التمثيل المسرحي. ووفق سكوردينو "لم يكن من السهل بداية جعلهن مرتاحات في التعبير بالكلام والجسد، عدا عن كون فكرة اعتلاء المسرح مرعبة بالنسبة لنساء يتحاشين الخروج من بيوتهن منذ سنة بسبب خوفهن من الناس". فإسراء (16 سنة) وهي أصغر المشاركات، لم تكن تتخيل يوماً أن "المحجبة بتطلع على المسرح"، وقد أخافها "وجود مخرج وكاميرات وتدريب".

يعتبر العطار أن هؤلاء النسوة "شجاعات لحديثهن عن نضالهن اليومي". ووجودهن يومياً في ورشات العمل هو بحد ذاته نضال أحياناً، فبعضهن كذبن على أزواجهن، في ما يخص غيابهن اليومي أو طبيعة الورشات. في البدء كانت حجّة ورد (29 سنة) لترك مسؤوليتها وأطفالها الخمسة "ورشة عمل لتعليم الخياطة". لكنها عادت وأخبرت زوجها بالحقيقة من خلال تمهيدات ومقدمات. أما الآن، فتتلقى ورد الدعم من زوجها وأولادها "الذين يساعدونني في حفظ النص".

ليست المسرحية النهائية الهدف الوحيد للمشروع، اذ يشرح سكوردينو أن "في مسرحية كهذه، النهج أهم من العرض". فالمشروع موجّه للمشاركات أنفسهن بقدر توجهه للجمهور، وهو بمثابة تجربة تعليمية للنساء. واحد التجليات الملموسة لهذا الأمر هو تعلم المشارِكة فاطمة، وهي أمية، القراءة والكتابة من خلال حفظ النص بمساعدة زميلاتها. ويلفت العطار إلى أن "أدواتنا وأهدافنا هي المسرح، لكن ذلك لا يمنع من تحقيق أهداف أخرى بالتوازي، وهذا ما يجعل هذا النوع من المسرح الأكثر إثارةً، خصوصا أن له مردودا".

تلامس المسرحية أوجهاً عديدة من معاناة المرأة اللاجئة لكنها لا تصورها كضحية بل هي، بالنسبة للعطار، "تضع المرأة بمواجهة سلطة ثنائية، سياسية وذكورية، وهي اطار مناسب لتحريض اللاجئات كي يروين أخبارهن".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها