آخر تحديث:10:52(بيروت)
الجمعة 13/04/2018
share

تعرّفوا إلى أبو عكر: السائق الأخير للدودج في زحلة

لوسي بارسخيان | الجمعة 13/04/2018
شارك المقال :
  • 0

تعرّفوا إلى أبو عكر: السائق الأخير للدودج في زحلة خلال 60 عاماً بدل أبو عكر سيارته 10 مرات لكنه لم يتنازل عن الأميركاني (لوسي بارسخيان)

إلى قارعة رصيف أوتوستراد زحلة في اتجاه المنارة، ينضم فؤاد توما إلى زملائه سائقي التاكسي ابتداءً من التاسعة من صباح كل يوم، ممرراً بعض ساعات نهار لم يكن حتى قبل سنوات يشعر بطوله، عندما كان شوفيراً عاملاً على خط زحلة- بيروت، وشاهداً على ازدهار حركة نقل غير متوقفة بين مختلف قرى البقاع وبيروت. فقد شكلت زحلة نقطة الانطلاق لقوافل السيارات "دودج الأميركاني" العاملة على الخط، التي اتخذت من المدينة نقاط انطلاق عدة لها في كاراجات ماجينو، السيد اليان، أبو عساف، النسر، الباروكي وفيكتوريا.

صار توما، الملقب بأبو عكر، بسنواته الـ83، السائق الأخير من تلك الحقبة. وأكبر شوفير تاكسي معمر في زحلة. بسيارته البيضاء "المهفهفة" هو أيضاً علامة فارقة بين زملائه الذين انتقلوا جميعاً إلى المرسيدس، بعدما استبدل خط عمله الطويل، بمسار أقصر على بولفار زحلة، مطوعاً ساعات عمله مع سنوات عمره، التي لم تعد تسمح له بتحمل مشقة طريق ضهر البيدر في اتجاه الدورة- بيروت.

كان نصيب أبو عكر، كما يقول، أن يعمل شوفيراً بعمر 22 عاماً. كانت المهنة حينها تؤمن حياة لائقة، سمحت له بالزواج وتأمين حياة كريمة لعائلة تألفت من 3 أولاد، رافقهم في كل سنوات نموهم حتى صار لكل منهم حياة مستقلة. يقول إن سائقي التاكسي لم يكونوا يعتمدون على زبائن زحلة فحسب، إنما كانت المدينة محطة للزبائن الذين كانوا يقصدونها من البقاع كله للتبضع. بالتالي، كان كاراج السيد اليان، كما الكاراجات الأخرى، يشكل تجمعاً للسيارات في مختلف الاتجاهات. وقد ضم حينها 12 سائقاً لم يبق منهم سوى أبو عكر.

على النظام نفسه، لكن بوتيرة أسرع بكثير، كان كل من السائقين ينتظر دوره لينطلق بـ5 ركاب. ولم يكن السائق يكتفي بنقلة واحدة إلى بيروت، رغم كثرة السيارات العاملة على الخط، التي كان يصل عددها إلى 60. إذ يحاول أن يبقى مشغولاً حتى ساعات متأخرة من الليل، ولا يعود يوماً من بيروت إلا محملاً بالزبائن. فلبنان كان "في عز ازدهاره حينها، وكان الكل يأتي إلى لبنان ويقصدون زحلة ليتنشقوا هواءها النقي". أما اليوم، كما يقول، فـ"السيارات أكثر من الركاب".

ساعات العمل الطويلة جعلت عمله، كما السائقين الذين عاصروه، محور حياته. وصار لكل منهم لقب مقتبس من شخصيته، وأصبح توما لا يعرف إلا بأبي عكر، حتى في أوساط عائلته ومعارفه. وهو لقب أطلق عليه "لأنني كنت أعوكرها. إذ كنا شباباً نحب البسط والحياة".

خلال 60 عاماً من العمل بدل أبو عكر سيارته 10 مرات، لكنه لم يتنازل عن الأميركاني. وفي آخر مرة جدد سيارته، قبل 3 سنوات، لم يتبع موضة سائقي عصره الذين اتجهوا إلى المرسيدس، بل اقتنى دودج أميركاني موديل 1990، قد تكون الأخيرة من نموذج السيارات المعروفة بضخامتها. يقول إن الأميركاني كانت سمة شوفير خط بيروت- زحلة، الذي كان يحرص على تأمين مساحة فسيحة ومريحة لزبائنه. هي سيارة فخمة، كان يعادل سعرها سعر البيت، ومع أن "اقتناءها كان ترفاً في عصرنا، إلا أنه لم يشكل عبئاً بسبب مصروف البنزين، كون سعر الصفيحة حينها لم يتجاوز السبع ليرات". وحتى مع ارتفاع سعر صفيحة البنزين لم يبدل رأيه، بل يصر أبو عكر على الأميركاني لأسبابه الخاصة. وأحدها، كما يقول، حمايتها من موجة السرقات التي لا تحبذ هذا النوع من السيارات. فـ"إذا اشتريت المرسيدس سيبقى بالي مشغولاً عليها. أما هذه فليست سوى بلاء على من يسرقها".

أمور كثيرة رافقها أبو عكر في سنوات عمله الطويلة. ومع أن كاراج السيد اليان أقفل مع وفاة صاحبه، فقد رفض هو التقاعد، وبقي جزءاً من مشهد السائقين الذين اتخذوا من قارعة الطريق موقعاً لإنتظاراتهم الطويلة للزبائن، حتى في ظل تبدل دور هؤلاء لمصلحة "الفان" العامل على المازوت الذي اجتاح خط بيروت- البقاع، لتنحصر بالتالي حركة زحلة- الدورة بكاراج واحد في المدينة هو كاراج النسر.

لا يطيل أبو عكر حالياً دوامه، بل يعود إلى منزله عند الواحدة ظهراً. ساعات قليلة تبعده عن ثقل العمر الذي يصر على ألا يسمح له بأن يتسلل إلى أيامه، وتبعد عنه العوز في دولة "لا تؤمن آخرة المواطن"، كما يقول.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها