آخر تحديث:11:54(بيروت)
الثلاثاء 09/01/2018
share

مطبخ بيروت: شارك واربح واتعرف

جنى الدهيبي | الثلاثاء 09/01/2018
شارك المقال :
  • 0

مطبخ بيروت: شارك واربح واتعرف مساحةً للتعلّم والاستفادة وتبادل الخبرات (ريشار سمور)

ما هو أكل لبنان التراثي؟ قد نظنُّ الإجابة سهلة، لكنّها أعقد من ذلك. الأكل التراثي ليس هويّة بلدٍ فحسب، إنّه هويّات مناطق. أكلات بيروت التراثيّة، قد لا يعرفها أهل صيدا والجنوب والشمال والبقاع، والعكس أيضاً. وأحياناً، قد لا يعرفها أبناء المناطق أنفسهم. فنحن اللبنانيون محكومون بالعجلة. وما نأكله من وجبات سريعة، يُشبه نمط حياتنا التي نسيت فيها أضراسنا لذّة الطعام في مطبخنا الأصلي.

"مطبخ أنا بيروت"، تجربةٌ فريدة من نوعها، يعيد أصحابه إحياء الأكل التراثيّ في المناطق. أكثر من 16 ألف سيّدة من مختلف مناطق لبنان جمعهن هذا المطبخ، وإلتزمن بقوانينه ونظامه. هو ليس مطبخاً واقعيّاً، بل مطبخٌ افتراضي، أسسه على فايسبوك رئيس جمعية "يا هلا بيروت" منير حنتس. لكنّه بدا تجربة واقعيّة وحيّة، سجلت نجاحاً باهراً في تحفيز السيدات المشاركات فيه على نبش كلّ ما يعرفونه من طعامٍ وحلويات في مناطقهن.

استطاع "مطبخ أنا بيروت" أن يكون علامةً فارقةً، عن بقيّة المطابخ الافتراضيّة، التي لا تتجاوز كونها صفحات ومجموعات تضمّ سيدات ينشرن صور الطعام بطريقةٍ غير منظمة. إذ ثمّة شروطٌ صارمة للمشاركة في هذا المطبخ. وأولها، أنّ تُرفق السيدة صورة الطعام الذي حضّرته، بنصٍّ صغير يشمل مقادير الطبخة وطريقة تحضيرها. هذا الشرط، فتح الباب واسعاً أمام السيدات المشاركات لتبادل خبراتهن، بعدما استنتجن أنّ طريقة التحضير والتقديم تختلف من منطقةٍ إلى أخرى، حتّى في الأكلات المشتركة. فـ"الملوخيّة البيروتيّة، لا تشبه الملوخيّة الطرابلسيّة مثلاً".

منى حروق، مديرة "مطبخ أنا بيروت"، وهي سيّدة طرابلسيّة وأمٌّ لأربعة أولاد، اشتهرت بأطباقها اللذيذة والشهيّة، تروي لـ"المدن" عن تجربتها في إدارة المطبخ ومميّزاته. "كنت مشتركة في عدد من صفحات الطبخ، ثمّ رأيت أن إحدى صديقاتي فازت في مطبخ أنا بيروت في المسابقة الشهريّة التي يجريها لأحسن طبق. تحمست للمشاركة وربحت في المسابقة التاليّة. وبالصدفة، قرأتُ إعلاناً عن زيارة سيقوم بها عدد من أعضاء المطبخ إلى القصر الأسود في كُثبة شمالاً. ذهبت للتعرف إليهم، ثمّ توالت اللقاءات الدورية بين مجموعةٍ من أعضاء المطبخ الذين يقومون بأنشطة مشتركة في رمضان والأعياد والمناسبات".

أُعجب أعضاء المطبخ بأداء منى، وجرى تعيينها مديرةً له قبل أن يمرّ سنة على مشاركتها. "فرحتُ بذلك، ووضعتُ قوانين وأهدافاً رئيسية لإنجاح المطبخ، وحتّى تستفيد السيدات من مشاركتهن فيه".

الغاية الأهم، وفق منى، ليس أن يكون المطبخ معرضاً لصور الطعام، وإنّما أن يكون مساحةً للتعلّم والاستفادة وتبادل الخبرات والانفتاح الذوقي بين المناطق. "صرتُ أقدم أطباقاً طرابلسية. والمطبخ الطرابلسي هو قريب من مطبخ صيدا وبعيد من المطبخ البيروتي. ومن أجل تحريك المطبخ، أصبحتُ أجري مسابقات دوريّة للسيدات. مثلاً، عن أفضل صحن مهلبية أو صياديّة أو منسف. والفائزة في المسابقة، نضع لها صورة طبقها غلافاً لصفحة المطبخ؛ إلى جانب نشر معلومات ونصائح يومية حول الطعام".

أكلات وحلويات تراثيّة كثيرة أنعشها "مطبخ أنا بيروت"، وأخرجها من حدودها المناطقيّة. "أعدنا إحياء أكلات بيروتيّة مثل الأرنبيّة والرشطة والمغمور. وأخرى طرابلسية تقدم بطريقة مختلفة، مثل السمكة الحرّة والصياديّة والورق عنب واللحمة بعجين وشيخ المحشي باللبن، وأكلات صيداوية مثل الفراكة وخلطة الكمون".

لم تكتفِ سيدات "مطبخ أنا بيروت" بتبادل تجاربهن في الأطباق التراثيّة. فهنّ غالباً يزرن بعضهن البعض في مناطقهن لتذوّق هذه الأكلات. "من خلال تجربتنا في المطبخ بنينا علاقات متينة، واستفدنا كثيراً في تعزيز خبراتنا، وكذلك طوّرنا طرق التقديم التي نحرص أن تكون في أجمل حلّة". ومنى مثل غيرها من سيّدات هذا المطبخ، أكثر ما يفرحها أن تسمع عبارة: "جربتها على طريقتك وكتير طلعت طيبة".

حنتس (54 عاماً) الذي تربطه علاقة عاطفيّة قويّة مع مدينته، يفتخر بإنجاز "مطبخ أنا بيروت". "هجرتُ إلى بريطانيا أيّام الحرب منذ كان عمري 14 عاماً. كنت أحزن كثيراً حين أسمع أبناء الطوائف يكرهون بعضهم ويتبادلون الشتائم، وصرتُ أفكر في كيفية إعادة اللحمة بين أهالي بيروت والمناطق الأخرى".

في العام 2012، أنشأ حنتس صفحة اسمها "هنا بيروت"، وجمع فيها أكبر عددٍ من أهالي بيروت وخارجها. ثم أطلق عليها اسم "أنا بيروت" وكانت غير منظمة من حيث الموضوعات. وبعدما وجد أن أغلب أعضاء الصفحة هن من السيدات، قرر في العام 2014 أن يحولها إلى مطبخ، وأطلق عليها اسم "مطبخ أنا بيروت".

"استطعنا في هذا المطبخ أن نعود إلى هويتنا ونحيي الأكل التراثي الذي نسيه اللبنانيون. وشجعنا السيدات المشاركات، وفسحنا المجال أمامهن للدخول إلى المطبخ اللبناني الغنيّ بأطباقه، من أجل تعويد عائلاتهن وأبنائهن عليه، بدل الانشغال بالوجبات السريعة التي لم تجلب لنا سوى الأمراض والسموم".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها