آخر تحديث:03:23(بيروت)
الجمعة 03/03/2017
share

ما تبقى من فندق العامرية: قصة قيصر

نبيلة غصين | الجمعة 03/03/2017
شارك المقال :
  • 0

ما تبقى من فندق العامرية: قصة قيصر ذاع صيت الفندق بين هواة التصوير (نبيلة غصين)
يتربع فندق العامرية على قمة صخرة عالية، يشرف منها على مجموعة من القرى والبلدات المجاورة. نال الفندق في الستينات من القرن الماضي شهرة واسعة، وكان يعتبر واحداً من أهم الفنادق في لبنان. تعود ملكيته لقيصرعامر، الذي ذاع صيته في تلك الحقبة، كأهم تاجر ألعاب نارية في لبنان.

قصدت الفندق الذي أصبح مهجوراً، منذ خمس سنوات، بعدما ذاع صيته بين هواة التصوير، كمكان يحوي مادة بصرية جميلة. فرغم حالته المهملة مازال يحتفظ بأثاثه، وكل شيء متروك على حاله.


عند مدخل بكفيا، يستقبلنا الفندق بباحته الواسعة، المحاطة بأشجار الصنوبر المعمرة، التي تستقر في وسطها بركة مياه. يتألف الفندق من أربعة أبنية، إثنان مخصصان لغرف النزلاء، مبنى للإدارة، ومبنى رابع عبارة عن مسرح وسينما. عند زاوية الباحة هناك ثلاث غرف، كانت مخازن للألعاب النارية الصالحة للاستعمال.

يرتفع إسم العامرية عالياً على المبنى الأول، حيث مدخل الفندق الرئيسي. يفضي المدخل إلى صالة كبيرة إسمها صالة القيصر، تتوسطها آلة بيانو قديمة. لا يستطيع المشهد أن يمنع مخيلتك من رسم صور عن حياة سابقة في المكان. على يمين الصالة وشمالها، درجان يفضيان إلى غرف النزلاء الموزعة على ثماني طبقات. أكل الغبار التفاصيل الجميلة فيها، كزخرفة البلاط، رسومات الجدران، الأشياء المحفورة على الخزائن، بالإضافة إلى حرف A المحفور على كل سرير في الفندق.


تدل الكراسي المصفوفة بشكل منتظم في إحدى صالات المبنى الثالث، أنها صالة لعرض الأفلام والمسرحيات. التجهيزات الصوتية المحطمة والمحترقة، تتدلى من سقف القاعة، والكتابات والغرافيتي على الجدران تدل على أن المكان مقصد بعض الشبان من أجل اللهو.

أما المبنى الرابع فهو مبنى الإدارة. المكاتب والكراسي والأوراق وفواتير الأكل والطلبيات التي تعود إلى الستينات، كلها تشير إلى ذلك. إحدى الغرف المنفصلة بدا واضحاً أنها غرفة خاصة بأحد أصحاب الفندق: مقتنيات شخصية، كتب للمطالعة، دفتر يوميات، أوراق مبعثرة شبت فيها نيران مفتعلة. بعض الأوراق نجت من الحريق، وبعضها أصابها تلف جزئي. نحاول لملمة ما استطعنا من الكلمات لربط أفكارنا، إلا أن سواد الحريق المفتعل يزيد من عتمة القصة وضبابيتها.


يزور محمد (مصور فوتوغرافي) المكان كلما سنحت له الفرصة. قبل أكثر من خمس سنوات، كان يحضر تلاميذه من أجل التدريب الميداني على التصوير. يقول محمد إن للمكان سحره الخاص، فكل زاوية تروي حكاية، وكل قطعة أثاث تحوي في طياتها صور أناس عبروا. أشعر وكأن المكان يحدثني فيخبرني أشياء تدفعني أكثر إلى البحث والتقصي. محمد الذي قام بزيارة المكان مرات عدة، تسنى له الإطلاع على مضمون كثير من الأوراق، واستطاع إلى حد كبير، أن يفهم بعض أوجه حياة أصحابه.


عامر عامر هو الإبن الوحيد لقيصر عامر. العائلة لم تكن على وئام، فهناك كثير من الخلافات العائلية، حيث أن نصوص الدعاوى بين الإبن الوحيد ووالدته، كانت لاتزال موجودة. عثرنا على بطاقته الشخصية التي تشير إلى أنه ينتمي إلى منظمة سرية عالمية، وأنه رئيس أحد المحافل في لبنان. تسرد الأوراق أخباراً كثيرة عن اجتماعات وقرارات وعن سهرات وسفرات.

قصدنا ساحة بكفيا، مسقط رأس قيصر عامر، بهدف إشباع فضولنا. إلا أن معلومات أهل القرية، اقتصرت على الحديث عن شهرته. وحده السيد جو، كان يحتفظ بالقليل من الذكريات عن المكان. ذكريات كانت لنا بمثابة الأحجار المفقودة لإكتمال الصورة. فخلال طفولته، كان يتردد إلى باحة الفندق، حيث يوجد مقهى يبيع السكاكر و"تران" يدور في مساحة محددة. أخبرنا أن المبنى تم تشييده على شكل سفينة، وكانت المباريات تجري في ملعبه الذي يشكل رأس السفينة. يذكر أن الفنان شوشو كان له عرض خاص فيه وكان المكان يستقطب عدداً من الفنانين.


مع بداية الحرب الأهلية، أقفل الفندق. قام حزب الكتائب، فيما بعد، بفتحه أمام النازحين من منطقة ترشيش وجوارها، وخصص لهم مبنى واحداً، حيث ألقى بشير الجميل في تلك الفترة، خطاباً خلال أحد مهرجانات الكتائب. وفق جو، فإن قيصر عامر تزوج مرتين، الأولى من امرأة سورية لم تنجب له أطفالاً، والثانية من امرأة أنجبت له إبنه الوحيد عامر وإبنتين. ورغم أنه يملك مدافن للعائلة في مقبرة القرية، إلا أنه أوصى بدفنه في الكنيسة التي شيدها قرب الفندق. توفي ابنه عامر عن عمر يناهز السابعة والأربعين، بعدما هجرته زوجته، وهي من عائلة الجميل.


اليوم، تحول فندق العامرية إلى خراب. أثاثه المهمل جُمع في زاوية، وأضرمت فيه النيران. أما مبنى الإدارة فقد تم بناء جدار باطوني يعزله عن المدخل، ويحول دون صعود أحد إلى الغرفة الشخصية مجدداً. يقول جو إن قيصر عامر كان رجلاً عصامياً، بدأ من ليرة واحدة إلى أن صار يملك أكثر من سبعة قصور في منطقة بكفيا وحدها، وجميعها اليوم مهجورة. مات القيصر وبقيت القصور. أما الأولاد والأحفاد، فاختلفوا على تقسيم ميراثه، حتى بات خراباً. وعادوا لتأمين لقمة عيشهم وتجميع الأملاك من جديد.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها