آخر تحديث:00:38(بيروت)
الخميس 26/01/2017
share

موت الجعيتاوي البطيء

حسن الساحلي | الخميس 26/01/2017
شارك المقال :
  • 0

موت الجعيتاوي البطيء أبناء الأشرفية يعيشون خارج بيروت ولا يريدون الاستقرار هنا (Getty)
أخذ انتقالي من سن الفيل إلى الجعيتاوي- الأشرفية منذ عامين، شكل الهروب، خصوصاً أن سن الفيل والأحياء المجاورة لجسر الحايك وFreeway بدأت تتحول في السنوات الماضية، من مركز سكني يستقطب أبناء الريف في العادة، إلى مركز إقتصادي يستقطب الشركات والمؤسسات على اختلافها. ما جعل المنطقة في ظل كثافة البناء المستجدة، أشبه بورشة ضخمة لا تتوقف.

بعد انتقالي إلى الجعيتاوي، شعرت أنني أعود مجدداً إلى الريف. هنا، لا ضجيج ولا مباني مرتفعة، والناس لا يتبدلون كما هي الحال في منطقتي السابقة. يعيش في المنطقة معمّرون غالباً، هم خليط من السكان الأصليين للمنطقة ومهجري الحرب، بالإضافة إلى الأرمن، القليل من الأجانب، وسوريون من أبناء الطبقات الوسطى.

تعاني المنطقة بسبب معدل الأعمار المرتفع، من موت بطيء لا يتوقف. يمكن رؤية عشرات الصيدليات موزعة في شوارع الجعيتاوي، تعيش من الموت المخيّم على الحي، ومن أمراض المعمرين المتفاقمة، كما تبدو مستشفيات الجعيتاوي والروم المجاورتين، مستفيدتين من هذا الوضع.

يعود انشاء أغلبية مباني الجعيتاوي إلى خمسينيات القرن الماضي وستينياته. المباني تموت أيضاً كما السكان، وتتهاوى وتُهجَر واحدة تلو الأخرى. توثق تصاميم هذه المباني مرحلة من عمر بيروت ما قبل الحرب، كانت فيها الجعيتاوي مكاناً يجمع الطبقات المسيحية الميسورة، ويسكنها وجهاء البلد وعدد من النواب ورؤساء الجمهورية السابقين. لكن، مع بداية الحرب، شهدت المنطقة نزوحاً كبيراً، إلى مناطق أخرى من بيروت الشرقية (الرابية وحرش تابت) أو إلى خارج لبنان.

قال لي أحدهم مرة، في محاولة تفسير تراجع حركة البناء، مقارنة بأحياء أخرى، إن أبناء الأشرفية يعيشون خارج بيروت ولا يريدون الاستقرار هنا، وهم غالباً ينتظرون موت أهاليهم، الذين يعيشون في البيوت، أو ارتفاع أسعار العقارات من أجل بيع تلك البيوت واستثمارها بشكل جديد. هناك نظريات أخرى تتحدث عن وجود مهجري الجبل في الجعيتاوي، الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، ويَحُول وجودهم دون إزالة تلك البيوت المتهاوية.

يبقى مصير الجعيتاوي غير واضح، ولا أحد يعرف تحديداً كيف سيكون الحي بعد عقد من الزمن. يخاف السكان من تحولها إلى مركز إقتصادي أو منطقة أبراج، ويبدو مبنى سما بيروت، الذي يظهر من بعض شوارع الحي، كأنه الشبح الذي يخافون منه. يعوّل السكان على ارتفاع أسعار العقارات، وممانعة أسماء بارزة لأي مشروع يغير من شكل المنطقة. وقد بدا هذا واضحاً في مواجهة مشروع فؤاد بطرس، الذي كان من المفترض أن يمر في الحي.

يبدو مستبعداً اليوم أن يعود الحي إلى شكله السابق، كمكان يجمع أبناء الطبقات الميسورة، خصوصاً مع وجود فئات جديدة في الحي، لم تكن موجودة قبل الحرب، جعلته أكثر تنوعاً من الناحية الطبقية والاجتماعية. ترسخ كل هذه العوامل من واقع الحي اليوم كمنطقة تموت موتاً بطيئاً، وهو مصير تُحسد عيله طبعاً، خصوصاً أن أحياء بيروت الأخرى تشهد تبدلات كثيرة، لا تترك وقتاً لمثل هذه الرفاهية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها