آخر تحديث:14:09(بيروت)
الإثنين 21/07/2014
share

طريق اللبنانيات إلى العدالة: شاق وطويل

ناي الراعي | الإثنين 21/07/2014
شارك المقال :
  • 0

طريق اللبنانيات إلى العدالة: شاق وطويل وصول النساء الفقيرات والمستضعفات إلى العدالة ضعيف (علي علوش)



ثمانية أشهر وندى (سورية الجنسية) بلا مأوى ولا عمل، وبلا ولديها إدواردو (17 عاما) ورينا (10 سنوات) اللذين بالكاد تراهما مرة في الأسبوع ولبضع دقائق. وبعد سنوات من تعرضها للضرب والإهانات من جانب زوجها طردها الأخير من البيت في تشرين الثاني الماضي.

"منعني دوّر سيارتي يومها، فأستقليت الباص لأنني كنت مضطرة للخروج لتحصيل مستحقاتي من تصليحات في الخياطة، وعند عودتي لم استطع الدخول إلى البيت لأنه كان قد اقفل علّي الباب. منعني حتى من أخذ ثيابي"، تروي ندى. عندها اضطرت، هي التي لم يبق من عائلتها سوى أخ يسكن وعائلته في لبنان، وأمّ مسنّة في حلب، إلى المكوث عند اخيها لبضعة أيام، ثم "الشنططة لأيام أخرى". وقد باعت سوارها لتستأجر شقة، ثمّ عادت وتركتها، لأسباب المادية، إلى "فواييه للبنات". تقدمت ندى بشكوى ضد زوجها لتتمكن من تحصيل أمتعتها من البيت فحسب، وهذا ما تطلب أحد عشر يوماً. استدعوه إلى المخفر، واستمعوا إلى إفادته وبعدما رفض التوقيع على التعهد بالامتناع عن التعرّض لزوجته أوقف، ليرافق عناصر الدرك ندى لجلب أمتعتها. 

"ومن وقتها بعدنا بالمحاكم، ولم آخذ أولادي بعد"، تقول. منعت ندى من رؤية ولديها لمدة ستة أشهر، حصلت بعدها على حكم من المحكمة الروحية بأن تراهما يوماً واحداً في نهاية الأسبوع، ولم يبدأ تنفيذه إلا بعد شهرين. لكن حتى حكم المحكمة الذي تأخر لم يشفع لها. "كان الموعد عند الخامسة مساءاً امام الكنيسة، وصلوا قبل الموعد بخمس دقائق، فطلب زوجي أن أنتظر خمس دقائق أخرى لتصير الساعة الخامسة تماماً، حتى ينزل الولدان من السيارة"، تروي. انتظرت ندى الدقائق اللازمة، لتصدم برفض ولديها التكلم معها ومرافقتها.

وكان الزوج قد اتهم ندى، أمام العائلة والأولاد وأمام المحققين وفي المحكمة، بالخيانة وأنّها تسببت بإفلاسه، كما أمعن بتشويه سمعتها على مسمع ولديها فأقنعهما بأنها تركتهما بإرادتها، وفق ما تروي. لكنه لا يكتفي بأذيتها وحسب إنما يسيء معاملة ابنه، فلا يعطيه مصروفه ويحرمه من الطعام لأنه على تواصل مع والدته. وقد طرده مرتين، إحداها كانت قبل أيام من امتحان الشهادة الرسمية. لكن ابنتها، وبعدما كانت ترجوها للإسراع في إخراجها من منزل جدتها، باتت ترفض الحديث معها أو رؤيتها، وتوصل لها رسائل وتهديدات والدها غير المباشرة. لم يكتف الرجل بمحاربتها بولديها، انما تخطى ذلك ليصل إلى إرسال تهديدات مباشرة لها ولعائلتها، متوعداّ بألّا "يترك فرداً من عائلتها حيّاً"، وفق قولها.

لا ثقافة قانونية

 

عليه، تقدمت ندى بعدد من الشكاوى، بمساعدة محامين من جمعية "عدل بلا حدود" من خلال مشروع "وصول النساء إلى العدالة في منطقة الشرق الأوسط" التي تنفذه جمعية "أوكسفام" في لبنان (يستهدف النساء المارونيات)، والأردن والعراق بالتعاون مع جمعيات محلية، والذي يهدف الى المساهمة في حصول النساء الفقيرات على أحكام عادلة تحد من ضعفهن ومعاناتهن عبر تطوير نوعية الخدمات القانونية المُقدَّمة لهن. أبرز هذه الدعاوى، بطلان الزواج. واستناداً إلى دعوى البطلان، يحق لندى استحصال نفقة من زوجها تشمل الطعام والكسوة والسكن والتطبيب والتعليم للأولاد، تحددها المحكمة وتحق للزوجة بعد تقدمها بدعوى هجر أو فسخ أو بطلان الزواج. بدأت ندى بالحصول على حقها بنفقتها المستحقة منذ مدة وجيزة، لكن دعوى البطلان جارية. وتقدمت ندى بخمس شكاوى أخرى ضد زوجها، ثلاثة منها لأنه كان يلاحقها ويهدد بإيذائها وقتلها، واثنتين لطرده ابنهما من البيت وهو قاصر، وفقها. هدف ندى الأساسي هو الحصول على الحق بحضانة ولديها بعدما حصلت على حق المشاهدة ولو متأخراً ومتعثراً.

 تعي ندى صعوبة طريقها إلى العدالة. فمنذ أن بدأت معركتها لبطلان زواجها وتحصيل حقها وحق ولديها بالحماية، تواجه تحديّات، تبدأ من جهلها لحقوقها لأن "لا ثقافة قانونية للنساء، والرجال لا يدركون أن عليهم واجبات". لم تكن تعرف مثلاً أن للزوجة حق بالنفقة حين تتقدم بشكوى بطلان أو فسخ، وأن حضانة الأولاد تنتقل إلى الأب بعد سن الثانية عند طائفة زوجها. إضافة إلى جهلها لحقوقها، تواجه ندى صعوبات مادية، فهي لم تكن لتتمكن من الوصول إلى المحكمة وتسديد كلفة معاملاتها لولا جمعية "عدل بلا حدود"، ومشروع "وصول النساء للعدالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

وتتحدث ندى عن انسحاب أصدقائها من حياتها تدريجياً، و"كأنني بت منبوذة إجتماعياً". ثم إن "المحكمة تأخرت بإصدار قرار حقّي برؤية ابنتي ما يقارب ستة أشهر، ما أدى إلى تكبير الفجوة بيني وبينها، وبعدها تأخر التنفيذ شهرين اضافيين". لكن ومع ذلك، تبدو المشكلة الأكبر في أن زوجها لا يكترث لحكم المحكمة.

 

عدالة متعذرة

 

يبدو ان هذه التحديات ليست خاصة بندى وحدها، اذ تشير مؤسسة ومديرة جمعية "عدل بلا حدود"، المحامية بريجيت شالابيان أن أبرز الصعوبات التي تواجه النساء في سعيهن للعدالة هي جهلهن لحقوقهن، وضعف قدراتهن المادية لدفع رسوم المحكمة وصعوبة وصولهن إلى الآليات القضائية والمحاكم. إلا أنّ الصعوبات ليست مادية بحتة لأن "النساء يتربين على أنهن  يجب ألا يلجأن للمحكمة لحل أمورهن الزوجية، وأن عليهنّ أن يتحملن عنف أزواجهن"، تقول شالابيان.

 

 لكن الحل لا يأتي من التربية ووعي النساء لحقوقهن إذ أن للمؤسسات والجمعيات دورا، هو "الوقوف إلى جانب المرأة من دون إهانتها"، تشير شالابيان، التي تلفت إلى أهمية نظرة المحكمة إلى المرأة. "إذا لم يكن القاضي مقتنعا أن المرأة مثل الرجل ولها الحقوق نفسها، فهذه مشكلة". وتأتي نتائج دراسة "وصول النساء إلى العدالة في منطقة الشرق الأوسط: تحديات وتوصيات"، للباحث د. فارس الزين، ضمن إطار مشروع "وصول النساء إلى العدالة" لتؤكد على هذه التحديات وتوثّقها. اذ قيّمت الدراسة أثر كلفة التقاضي لوصول النساء للعدالة (في ما يتعلق بالأمور الخاصة بالأسرة والأحوال الشخصية) في أربعة بلدان عربية: لبنان (جبل لبنان)، الأردن (الزرقاء)، العراق (شمشمال في إقليم كردستان) واليمن. وأكدت أبرز نتائج العمل الميداني في البلدان الأربعة أن "وصول" النساء الفقيرات والمستضعفات إلى العدالة ضعيف بسبب "غياب التثقيف القانوني حول الهيكليات الإدارية للمحاكم الدينية في سبيل دعم النساء عند بدئهن بعملية التقاضي".

وفي الوقت الحالي، تغيب برامج التوعية القانونية المرعية من الحكومة لتلبية حاجات النساء في لبنان. وبالرغم من محاولات المنظمات غير الحكومية سد الفجوة، إلا أن قدرتها على الوصول إلى الجميع لا تزال محدودة كما لا تؤدي وسائل الإعلام دوراً نشيطاً في نشر المعلومات حول الحقوق القانونية. كما بيّن البحث أن النساء الفقيرات والمستضعفات لا يستطعن "تحمّل كلفة" العملية القضائية بسبب ارتفاع رسوم التسجيل في المحكمة أو أتعاب المحامين الفائقة الارتفاع. لا يتمتع أيّ من البلدان المشمولة في البحث بتدابير لخفض أو إلغاء الرسوم، مع العلم أن المحكمة الروحية المارونية في لبنان تتيح ذلك في بعض الحالات اعتماداً على وضع النساء الاقتصادي. أما بالنسبة لتوكيل محامين بالمجان، فلا تتكفل الدولة اللبنانية بهذه التكاليف بالنسبة لقضايا الأسرة أو الأحوال الشخصية. ففي المحكمة الروحية المارونية مثلاً، تتراوح رسوم تسجيل الدعوى بين 250000 ليرة لبنانية  لتحديد حقوق الميراث ومليون ليرة لبنانية لإلغاء الزواج (البطلان)، علماً أنّ الكلفة قد تصل إلى 7000 دولار في حال تعددت الأسباب والانعكاسات على الأقرباء، إذ تزداد كلفة التسجيل مع ازدياد أسباب البطلان والمستلزمات الإضافية التي يطلبها القاضي لإثبات الدعوى.  

 

عزل إجتماعي

 

أمّا على صعيد المجتمع المحلي والعادات الاجتماعية، فأكدت الدراسة أن الضغط الاجتماعي هو "أهم الأسباب التي تحول دون وصول النساء للعدالة". ففي كافة المجموعات التي تمت مقابلتها لإجراء الدراسة، اعتبرت النساء أنّ العائلة والمجتمع الذي يعشن فيه لا يتقبل فكرة لجوء النساء إلى القضاء لحلّ المشاكل المتعلقة بالأسرة أو الأحوال الشخصية. ويرتبط أثر الضغط الاجتماعي على مدى وصول النساء للعدالة بمستويات المحافظة في المجتمع المحلي. بالإضافة إلى ذلك، "تحدّ ثقافة العيب المرتبطة بالسيطرة الأبوية من دور النساء الاستباقي في البحث عن الدعم القانوني حين تدعو الحاجة إليه". لذا، ونظراً لما يعتبره المجتمع تصرفاً مقبولاً لزوجة "محترمة ولائقة وفاضلة"، يمسي ذهاب المرأة إلى المحكمة للمطالبة بحقوقها أو حقوق أطفالها عملاً معيباً، فتمتنع لذلك النساء عن استعمال القنوات الرسمية. ويؤدي الرجال في الأسرة بما في ذلك الزوج والأب والأخ دوراً في منع النساء من الوصول إلى العدالة.

 

وعلى الصعيد المؤسساتي، لحظ البحث "تحيّزا جنسانيا في المؤسسات"، إذ تعيق المواقف السلبية للرجال في الشرطة والمؤسسات القانونية والقضائية وصول النساء إلى العدالة المنصفة والملائمة، ما يشير إلى أنّ هذه المؤسسات غالباً ما تفتقر إلى مراعاة المنظور الجنساني، وتُواجَه النساء المطالبات بحقوقهن بلا مبالاة أو بعدائية واضحة. وفي لبنان، تستطيع النساء المعنّفات مثلاً طلب العدالة من المحاكم الدينية أو المحاكم الجنائية؛ وفي حال اختارت الأخيرة، يمكنها التقدم بشكوى رسمية إلا أنها غالباً ما تكون موجهة لعاملين غير مدربين أو لا يأخذون حالات الاعتداء الزوجي، مثلاً، على محمل الجدّ. أما بالنسبة للوقت، فمتوسط مدة الدعوى في المحكمة سنة واحدة. وعندما يصدر الحكم، يأخذ الفريق الرابح الدعوى إلى "قسم التنفيذ" في المحكمة المدنية لتنفيذه، مع العلم أنّ هذه المرحلة قد تواجه بعض التأخير بسبب "اختفاء" الفريق الخاسر، فيعجز موظفو المحكمة عن إبلاغه بالحكم. ويُستعمل هذا "الاختفاء" في بعض الأحيان كوسيلة للمماطلة. ويتسبب طول هذه الإجراءات بتأخير العملية القضائية، ومن أبرز أسبابه في لبنان، قلة عدد القضاة، وحضورهم غير المنتظم إلى المحكمة، وتأخرهم في إصدار الأحكام عن قصد في محاولةٍ لحلّ النزاعات سلمياً أو إقناع الفريقين بإسقاط الدعوى.

 

شارك المقال :