رهبان مكاريوس يقاومون

شادي لويس

الأربعاء 18/03/2015

"رهبان دير الأنبا مكاريوس يتصدون بأجسادهم لمحاولة هدمه".. هكذا عنونت مواقع إلكترونية قبطية تقريرها الذي تم تدواله بكثافة، نهاية الشهر الماضي، عن أزمة الطريق الدولي الرابط بين الفيوم والواحات.

صور الرهبان المتمددين على الأرض، في مواجهة جرافات شركة "المقاولين العرب"، ودراميتها غير الخافية، دفعت القضية من ساحات الفضاء الإلكتروني، إلى صفحات الصحف المصرية واسعة الانتشار، بل وإلى بيانات المجمع المقدس – السلطة الروحية والإدارية الأعلى في الكنيسة المصرية.

ففي بيان لاحق للمجمع، تبرأت الكنيسة من الدير – محل الأزمة، ومن رهبانه الذين نُزعت عنهم صفة الرهبنة، بموجب البيان نفسه. وبينما حملت صياغة البيان اعترافاً كنسياً بحق الدولة في هدم الدير، واتهاماً لرهبانه بإعاقة "مشروعات التنمية القومية"، والتمرد على "طاعة" الكنيسة، فإن رهبان الدير، من جانبهم، دفعوا بأن نطاق الدير يقع في محمية طبيعية ويحوي معالم أثرية، بعضها يعود للعصر الفرعوني، الأمر الذي يستوجب تحويل الطريق إلى مسار بديل، والأهم بأن "الطاعة يجب أن تقترن بالتفكير وليست عمياء".

تتشابك الأزمة مع تعقيدات قانونية، لها علاقة بملكية الأراضي المقام عليها الدير، وتفاصيل تنظيمية كنسية تخص الاعتراف بالتجمع الرهباني هناك، بالإضافة إلى آراء فنية متضاربة حول المسارات البديلة المقترحة للطريق محل الخلاف، وتأثيره في المحمية الطبيعية ووضع المنطقة الأثري. إلا أن القضية تكشف عن محورين أكثر تسييساً وأكثر عمومية: الأول يتعلق بعلاقة الكنيسة بالدولة وعموم الأقباط، والثاني عن علاقة "التنمية القومية" بموضوعها، أي السكّان أنفسهم.

ففي المستوى الأول، تبدو مقاومة رهبان الدير للجرافات، كفعل للتمرد، لا ضد الدولة فقط، بل وضد مبدأ "الطاعة" الكاملة للسلطات الروحية، وضد الكنيسة نفسها. الأمر الذي يعيدنا إلى تاريخ نشأة حركة الرهبنة القبطية، والتي بالرغم من ربطها الدائم بعصور الاضطهاد، بوصفها حركة للمقاومة في مواجهة السلطات الرومانية، والإسلامية لاحقاً، فإن أصولها العائدة إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، ربما تثبت العكس. فتأسيس حركة الرهبنة تزامن مع تحول المسيحية إلى دين رسمي للأمبراطورية الرومانية، على يد الأمبراطور قسطنين، وزوال عصور الاضطهاد مؤقتا في النصف الأول من القرن نفسه. من هنا كانت نشأت التجمعات النسكية الأولى في الصحاري المصرية، حركة للمقاومة بالأساس ضد تماهي الكنيسة مع الأمبراطورية، وفساد روحانية المسيحية بتوحدها مع العالم.

يعود رهبان الأنبا مكاريوس، لنقطة البدء الأولى في مقاومة مباشرة، لا للسلطات الأرضية، بل بالأحرى لتماهي الكنيسة معها وانسحاقها أمام قوانين العالم. تأتي محاججة رهبان الدير بإعمال العقل أي "التفكير"، في مواجهة "الطاعة العمياء" لسلطات الكنيسة، كتهديد لاهوتي لسلطة الكنيسة، وسياسي لعلاقة الكنيسة بالدولة، وبالأخص بالنظام السياسي الحالي. وهي علاقة يؤطرها اعتماد الدولة لأكليروس الكنيسة بوصفه الممثل السياسي الوحيد والحصري لعموم الأقباط، في مقابل ضبط الكنيسة لرعاياها سياسياً واجتماعياً بأداة "الطاعة" الكاملة.

لا يُعدّ تمرد رهبان "مكاريوس" الأول من نوعه. فقد سبقته أحداث مماثلة في عهد البابا شنودة وسابقيه. لكنه، في الوقت نفسه، يبدو نفياً جلياً لفرضية الاصطفاف الكامل لعموم الأقباط خلف النظام السياسي الحالي، ولطاعتهم الكاملة لسلطات الكنيسة. ويبدو أيضاً دافعاً للتفاؤل بأن التماهي للكامل للكنيسة مع السلطة السياسية لن يرسخ بالضرورة علاقتهما السلطوية التاريخية، بل هو مبرر لتكون جيوب للمقاومة ضدهما، ومن داخل الكنيسة نفسها ومن بين صفوف رهبانها.

أما في المحور الثاني، فإن الأزمة، التي تزامنت مع فاعليات المؤتمر الاقتصادي، تكشف عن تصادم حتمي، بين هوس مشروعات "التنمية القومية" وإنجازاتها الأسفلتية والخرسانية، وبين متطلبات الحفاظ على البيئة والتراث المعماري وطبيعة الأنشطة الاقتصادية والإجتماعية للسكان. وتكشف الغبن في سياسات الدولة التنموية  ومنطقها المحابي لرؤوس الأموال، على حساب الأهالي المحرومين من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بتنمية مناطقهم.

ففي حين طرح رهبان الدير بدائل ثلاثة لمسارات الطريق محل الخلاف، ترفعت الدولة عن مناقشة تلك البدائل، الكفيلة بالحفاظ على المحمية الطبيعية المحيطة بالدير، والآثار الفرعونية والقبطية هناك. إضافة إلى الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية لسكان الدير. واكتفت، ومعها الكنيسة، بالتأكيد على أولوية الطريق الأسفلتي، أحد مشروعات " التنمية القومية" على سواها.

في الوقت نفسه، اعتادت الدولة التسامح في تنفيذ قواعد الحيازة بوضع اليد، أي قوانين "الملكية بالتقادم" الفضفاضة، وخصوصاً مع رجال الأعمال والمستثمرين، بحجة تشجيع استصلاح الأراضي، والمشروعات الإنتاجية، بل ومنحت وما زالت ملايين الأمتار المربعة من الأراضي للشركات الاستثمارية الأجنبية مجاناً، بالحجة نفسها. لكنها، في قضية الدير، حيث أقام سكانه أكثر من عشرين عاماً واستصلحوا أراضيه ونقبوا عن آثاره وحفظوها، تبدو مصرّة على نزع ملكيته، رغم توافر مقومات المصلحة العامة، والتي يبدو أنها تنطبق فقط على رجال الأعمال والمؤسسات الاستثمارية الأجنبية دون سواها. 

وفيما تحتفي مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام بتوقيع عقود بالمليارات مع شركات أجنبية، وبمنحها ملايين الأمتار المربعة من الأراضي مجاناً، لبناء غابات خرسانية، وعاصمة جديدة، ومجمعات ترفيهية وملاعب جولف، من دون أدنى مشاركة من المواطنين في أتخاذ تلك القرارات... يقف رهبان "مكاريوس" في تحدٍّ لمنطق التنمية الخرساني، ومحاباة الدولة لرأس المال، ومعهم سكان مثلث "ماسبير"، وأهالي جزيرتي الدهب والقرصاية، وغيرهم، مطالبين بحق أساسي للأهالي في المشاركة الفعالة في رسم خطط التنمية، وفي سبيل نموذج لها يكون معنياً بالبشر وحيواتهم ومتطلباتهم وتاريخهم وبيئتهم المحلية.. تنمية لأجل البشر، لا على حسابهم.  


©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2017