آخر تحديث:07:46(بيروت)
الثلاثاء 16/02/2016
share

ربع قرن على نواة نفاياتنا

مهند الحاج علي | الثلاثاء 16/02/2016
شارك المقال :
  • 0

ربع قرن على نواة نفاياتنا لعب الأولاد عند أحد الحواجز بين شرقي بيروت وغربها، عشية تفكيكها بعد إقرار اتفاق الطائف-1990 (أ ف ب)
بعد ربع قرن على إقراره (يُكمله في آذار/مارس المقبل)، ما زال قانون العفو هو الأكثر تأثيراً في السياسة اللبنانية. قد يكون اتفاق الطائف هو الأكثر تداولاً إعلامياً، وبين زعماء الطوائف الساعين إلى إعادة توزيع السلطة بينهم، لكنه يبقى "إدارياً"، مقارنة بثقافة السلطة التي أرساها قانون العفو، وأساسها غياب المحاسبة.

وإعادة التذكير بجرائم الحرب التي مرّت من دون محاسبة، حاضرة دائماً في النقاشات والمناكفات السياسية. كما تشمل تبرير أحكام قضائية مُخففة في جرائم كبرى، وفضائح فساد. المثال الأخير على ذلك قضية ميشال سماحة، إذ استُخدمت ارتكابات الحرب في سياق تبرير الإفراج عنه والردّ على المعترضين على قرار المحكمة العسكرية. وكم من مرة ظهرت مجازر الجبل والأونيسكو والدامور، وحروب "المخيمات" و"الإلغاء" و"التحرير" في سجالات تبريرية لغياب المحاسبة عن جرائم القتل والفساد وحتى العمالة خلال الفترات الماضية؟ ويكشف تعاطي الجيل الجديد من اللبنانيين مع المجازر في سوريا، جانباً من هذه الثقافة.

والأخطر من التبرير لجرائم واقعة من خلال تبعات هذا القانون، هو التأسيس لنقل هذه الثقافة إلى الجيل الجديد من السياسيين، أي أبناء وأصهرة وزوجات زعماء الحرب اللبنانية. وهذا الانتقال مردّه تقديس ارتكابات الحرب كبطولات، ورموزها كأبطال. وبدلاً من إطلاق تجربة شبابية جديدة، يحرص الوارثون الجدد على تكريم مقاتلين في الحرب، والافتخار بما خاضوه فيها. ولعل أبرز مثال على عملية الانتقال هذه، كلمة ألقاها أحد قادة الميليشيات السابقة أمام نجله، ونجل قائد ميليشيا آخر، ذكّر فيها بمعركة خاضها بمساعدة والد الأخير، انتهت بمجزرة على الهوية راح ضحيتها مئات المدنيين وغالبيتهم من المسنّين العاجزين عن الفرار. بناء على ذلك، لم يؤسس قانون العفو لحكم قادة الميليشيات فحسب، بل فتح الباب لإعادة تكرار التجربة عبر ورثتهم.

لكن ما البديل عن قانون العفو بعد 25 عاماً من إقراره؟ 
أولاً، يجب دحض حُجّة أن الجرائم تسقط مع مرور زمن طويل على وقوعها، لا سيما في ظل واقع سياسي لبناني يُراكم الجرائم والصراعات ويُعيد إنتاجها دورياً. هناك تجارب أخرى تدل على عدم صحة ذلك. في فرنسا مثلاً، وفي العام 1994، أُدين بول توفيير – الضابط السابق في ميليشيا فيشي إبان الحرب العالمية الثانية – أي بعد نصف قرن تقريباً على نهاية الحرب. إسبانيا واليونان بقيتا تُعالجان ذيول حربيهما الأهلية لعقود. وكذلك الأمر مع الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين والتشيلي. إلا أن المحاكمات لم تُنتج بحد ذاتها ثقافة محاسبة، بل اتُّهمت بأنها تُعزز مشاعر الغبن والحقد، لا سيما في ظل اتهامات بالانتقائية. 

النقاش العام المرافق لهما هو ما أسس لهذه الثقافة، ووضع حدوداً لأوهام وخيالات المشاعر القومية والوطنية، وتعزيز الحق العام والمواطنة. للوطنية جانب مُظلم له ضحايا كثر. في الواقع اللبناني، العصبية الطائفية توازي تلك الوطنية-الإثنية. قانون العفو عزز تحديداً هذا الجانب المظلم من العصبيات الطائفية. بلدية بيروت منهمكة دائماً في إطلاق أسماء قادة الحرب ورموزها على الشوارع والساحات، بإهمال شامل وساحق للضحايا الذين ما زال الآلاف منهم يرقدون في مقابر جماعية ترفض الدولة فتحها لإعطاء ذويهم قبراً يزورونه.

طبعاً، المحاكمة والمحاسبة خارج الحسبان في لبنان الخاضع لسلطة زعماء الحرب السابقين. لكن ماذا عن النقاش العام؟ لماذا تقبع الحرب في صلب نقاشات السياسيين، وتغيب عنا؟ ما المساحة التي تحتلها قضية مفقودي الحرب الأهلية اللبنانية في سجالنا ضد الطبقة الميليشيوية الحاكمة؟ إعادة طرح قضية الحرب من بابها الواسع، واجب أخلاقي وضرورة سياسية أمام كتلة الاعلاميين والأكاديميين المستقلين لزيادة الوعي بطبيعة "النظام" الذي نعيش في ظلّه، وهو نظام قانون العفو. بيد أن ربع قرن مرّ على هذا العفو، وبات كل زعيم حرب لبناني من أثرى أثرياء البلاد التي تزداد فقراً كلما تضخمت ثرواتهم. كل منهم يعيش في قصر، والمفارقة أن أفقرهم وهو قائد ميليشيا "المرابطون" سابقاً، ابراهيم قليلات الذي يُقيم على ضفاف بحيرة كومو الخلّابة – المكان المفضل لأثرياء إيطاليا والعالم.

في ذكرى رُبع قرن على ذلك اليوم المشؤوم، تتكرر الرسالة ذاتها. أنتم، مواطنين وحقاً عاماً، نكرة. حقوقكم وصحتكم وأموالكم العامة مُستباحة، ومستقبلكم مرهون للقوى الإقليمية مقابل ريع مالي ضخم. أنتم لا شيء. أما هم، المولودون مجدداً من رحم قانون العفو، هم كل شيء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب