آخر تحديث:17:21(بيروت)
الإثنين 23/06/2014
share

عون والعونوفوبيا!

نديم قطيش | الإثنين 23/06/2014
شارك المقال :
  • 0

عون والعونوفوبيا! يقفز الجنرال قفزة اخرى بين قرون النظرية السياسية ليحط رحاله في الثلث الثاني من القرن العشرين (أ ف ب)
في اطلالته التلفزيونية الاخيرة، كشف الجنرال ميشال عون بصراحة لا يحسد عليها عن "الاصول الشمولية" التي تحكم فكره السياسي. جملتان قصيرتان ومباشرتان قفزتا به وبنا بين نماذج واصول شمولية تمتد بين القرنين السابع عشر ومنتصف القرن العشرين.

في جملة واحدة، يعد عون رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري بالامان السياسي والجسدي (استعمل عبارة جسدي على عكس دعاية من حاولوا تبرير تصريحه) ان خضع الاخير لشهوة الجنرال الرئاسية. المسألة هنا تتجاوز ما تنطوي عليه من تهديد. انها عودة بالدولة والسلطة وفكرتهما الى منتصف القرن السابع عشر وبدايات نشوء العقد الاجتماعي كمعطى فلسفي وسياسي يحكم علاقة المواطنين والأفراد بمؤسسات النظام السياسي على يد توماس هوبز! 

الهوبزية، باختصار صحافي وغير دقيق، فكرة تقوم على فهم الطبيعة البشرية كطبيعة عدوانية حربية بالضرورة مدفوعة بالسعي الحثيث إلى امتلاك اسباب القوة ومواردها. ولانها كذلك، وحدها غريزة "الخوف من الموت والجراح" ما يروض هذه الطبيعة العدوانية للبشر ووحدها ما يدفع الاقوياء الى عقد السلام وتجاوز إدمان طلب القوة والصراع عليها. يلوح عون للحريري بغريزة الخوف هذه. الخوف من الموت ومن الجراح. ويظن انه بالخوف هذا يدفع الحريري الى التسوية. انه العام ١٦٥١ في عقل الجنرال. 

لا دولة ولا مؤسسات ولا ناخبين ولا قوى سياسية اخرى تفترض التسوية بينها او الحسم عبر الوسائل الديموقراطية. لا شيء ينظم الحياة السياسية وعلاقات مكوناتها الا الخوف من الموت والجراح. هوبز كتب عن الخوف ونظر لسلطة الدولة المطلقة وتوسيع صلاحياتها وسط مناخ من الانهيار السياسي والحرب الاهلية في اوروبا، حيث لم تعد الأعراف الاجتماعية السابقة على الحرب ولا سلطة اللاهوت قادرة على ردع قوى الحرب. وعون يتحدث واللبنانييون يخوضون حربا اهلية باردة وسط انهيار سياسي يزنر بلدهم الصغير!!  
 
ثم يقفز الجنرال قفزة اخرى بين قرون النظرية السياسية ليحط رحاله في الثلث الثاني من القرن العشرين. يفعل للمسيحيين والمسلمين ما فعله ستالين للسوفيات من استحضار لكل الشروط الاجتماعية المولدة للامة السوفياتية القلقة. يخيف المسيحيين مما ينتظرهم من جور المسلمين. يفاقم لديهم قلق العزلة في عالم عربي ينهار ويستفز بينهم تكافلا سلبياً رابطه الخوف. وفي المقلب الاخر يسعى إلى إخافة المسلمين بان الوقت ليس الى جانبهم وان عليهم الإسراع في التسوية، والا!!  

جملة واحدة لإنتاج أمة قلقة بمسلميها ومسيحييها، قبل ان يرمي في وجهها حلاً نفسياً. المسيحيون سيبكون فرحاً وزعيم المسلمين سينجو من المقصلة.

 
توتاليتارية تامة، يرفدها خواء السياسة في لبنان، لتصير هذه الاخيرة مجرد صراع بين كوابيس وأوهام. ولعل أوضح المقاربات الكابوسية للسياسة هي ردود الفعل على الحوار مع الجنرال عون نفسه. انها لحظة الذروة في تلاقي التوتاليتارية العونية بالكابوسية الاربعتش آذارية. يكفي لان ينفجر عشاء ما او غداء ما او لقاء ما بان يلمس احد المتحاورين من الاخر استعداداً ولو نظرياً لفحص إمكانية التفاهم مع الجنرال، على قاعدة ان شموليته عدة شغل لا اكثر وأسلوب إرتزاق سلطوي يسعى من خلاله للاستحواذ على المزيد من القوة. ينبري الاذاري فوراً الى تذكيرك بمساهمات الجنرال في تدمير البلاد (طبعا بالمقارنة مع قوى التنمية في بقية دوائر أمراء الحرب الاهلية في المعسكرين)، او يسارع الى تذكيرك بفساد منسوب الى الرجل وبطانته (أيضاً بالمقارنة مع قديسي ثورة الأرز ممن لم يمسسهم شيطان الفساد!) او يعالجك بصفعة الشهداء والدماء التي بذلت، وكان تاريخ الشهادة والدم في لبنان بدأ مع هذا الشهيد او ذاك او كأن ليس الدم الى الركب تاريخياً بين حلفاء اليوم!!

 
ليست آتية من فراغ، هذه المقاربة الكابوسية. إذ يلاحظ منظر الفلسفة السياسية الصاعد كوري روبن، ان المعارك العظمى غالبا ما يلحقها يأس عظيم عند طرفي النزاع. المهزومون يأكلهم الأسى على ما بذلوه من تضحيات ومعاناة ودماء (تذكروا سلاح الشهداء)، والمنتصرون ياكلهم الحنين الى المعنى الذي يكتسبونه كمقاتلين ويفقدونه كمنتصرين مضافا اليه اصطدامهم بواقع ان ما حققوه وما وصلوا اليه من ارض ميعاد لا يشبه تماماً ما سعوا إلى تحقيقه وحلموا به.


المهزومون تنغص حياتهم ذاكرة الألم الطويلة. تفرغ المعاناة نضالاتهم من ايجابياتها وتتركهم نهباً للتخوين ولعبة اللوم. المنتصرون تربكهم ذاكرة المعاناة القصيرة. يعميهم الانتصار عن اثمانه فتراهم لا يترددون في تضييع الانتصارات وهم يركضون وهماً خلف زيادتها ومراكمتها. لا يعني هذا ان ١٤ آذار هي المهزومة هنا وان الثامن من آذار هي المنتصرة. لكن الاثنين يتصرفان على هذا الأساس، وهما منتصر ومهزوم في بلد مخلع لم يبق منه الا هيكل وطن يبدي الجميع حياله قلة اكتراث مرعبة واستعداداً انتحارياً فيه من الرومانسية والجنون والحمق الكثير.

الثامن آذاري، يقول اما مرشحي او احرق البلد. يجيبه الاربعتش آذاري، احرق البلد احرق البلد. 
وبين الاثنين، تزدهر فصيلة من الحالمين ممن لا علاقة لهم بأي شكل من اشكال العملية السياسية في لبنان وشروطها وقواعدها. ترميك إحداهن من مناضلات السوشال ميديا، وانت الخائن والجبان والمهزوم، بالسؤال الاحجية. لماذا تحشروننا بين عون او انهيار الدولة. لماذا لا ننتخب بطرس حرب. لا يعنيها ان نصاباً ينبغي ان يتأمن وهو ليس مما انت قادر عليه او تملك مفاتيحه ببساطة لان حزب الله يملك تتمة النصاب. ولا يعنيها ان نصفا زائدا واحداً ينبغي ان ينتخب لها بطرس حرب وهو ما ليس متوفر. لان كتلة جنبلاط في مكان آخر وما تملكه ١٤ آذار لا يزيد بأحسن الحالات عن ٥٧ نائباً. لا يهمها كل هذا. سؤالها بسيط. لماذا لا تنتخب لها بطرس حرب؟
 
تنظر اليها، تبتسم. وتلعن ام واب واخت وكل سلالة السوشال ميديا. 
شارك المقال :