آخر تحديث:08:26(بيروت)
الخميس 14/09/2017
share

قبلة الوداع التركية للأطلسي

سمير صالحة | الخميس 14/09/2017
شارك المقال :
  • 0


إلتحقت تركيا بحلف شمال الاطلسي عام 1952 بعد منظومة التحالفات العسكرية والسياسية الاقليمية والدولية التي قادت اليها الحرب العالمية الثانية . انقرة اختارت المحور الغربي حليفا وشريكا خلال الحرب الباردة وبسبب التهديدات والاطماع الروسية المتواصلة في مناطقها الجغرافية الحدودية وتحديدا في البحر الاسود والمضائق التركية الاستراتيجية . الاتراك اعلنوا عن رغبتهم في انجاز اكثر من ذلك عام 1959 عندما قرروا الالتحاق بالسوق الاوروبية المشتركة التي ما زالت حلما وحبرا على ورق حتى اليوم . خيبة الامل التركية في مسار العلاقات التركية الاميركية كانت عام 2003 عندما تخلت انقرة عن حليفها الاميركي في الحرب على العراق . تبادل اللكمات تحول الى قتال شرس مع الوقت خصوصا في العامين الاخيرين بسبب تباعد في اكثر من ملف ثنائي واقليمي  يغير تدريجيا من طبيعة التحالفات التركية الاميركية والتركية الاوروبية .


اسفر التقارب التركي الروسي وعشرات اللقاءات التي عقدت في العامين الاخيرين في السر والعلن عن ولادة برنامج تعاون وتنسيق سياسي وعسكري واستراتيجي ثنائي واقليمي  يسدل الستار على حادثة إسقاط مقاتلة الطيار الروسي فوق المتوسط والاعلان عن ولادة حقبة جديدة من العلاقات تكللت بدخول صفقة شراء منظومة صواريخ "إس 400" الدفاعية الروسية البعيدة المدى حيز التنفيذ .


خيبة امل كبيرة تعيشها العديد من الدول الغربية والاقليمية نتيجة هذا الانجاز وعلى رأسها اميركا وعواصم حلف شمال الاطلسي التي نجحت قبل 3 اعوام في تعطيل خطوة من هذا النوع بين انقرة وبكين وحاولت ان تغري تركيا بأن منظومات الباتريوت تحت تصرفها متى تشاء ولا حاجة لانفاق عسكري باهظ من هذا النوع . القيادة التركية اكدت لحلفائها في الغرب من خلال مجازفة استراتيجية من هذا النوع انها جاهزة لدفع ثمن قرارها هذا واثبات انها ليست مجرد مناورة سياسية او عملية ابتزاز لاحد ، تركيا تحتاج في منظومتها الدفاعية لسد فراغ عسكري مهم من هذا النوع، وفرنسا وايطاليا والمانيا لم تأخذ العروض التركية على محمل الجد ، وواشنطن راهنت على استحالة اقدام انقرة على خطوة انتحارية من هذا النوع

.

ما سيغضب واشنطن والكثير من العواصم الاوروبية واسرائيل تحديدا ليس امتلاك تركيا لورقة قلب التوازنات العسكرية الصاروخية لصالحها في المنطقة وخروجها من وضعية بين المطرقة الاطلسية والسندان الاوروبي بل حقيقة ان خطوة من هذا النوع هي ابعد من ان تكون مجرد انجاز عسكري بل تقارب تركي روسي متعدد الجوانب ومنح انقرة فرصة دق اسفين في مسار العلاقات التركية الاطلسية واحتمالات سحب الكثير من الاوراق التركية الاستراتيجية الاقليمية من ايديهم وعلى راسها ملفات المضائق التركية والصراع على حوض البحر الاسود وحروب خطط نقل الطاقة ناهيك عن ملفات امنية وسياسية وتجارية كثيرة في المنطقة .



الاتراك يقولون هو قرار سيادي يتعلق مباشرة بسياسة تركيا الدفاعية لكنهم يعرفون جيدا ان الثمن الذي سيدفعونه سيكون حرمانهم الكثير من برامج التخطيط الدفاعي الأطلسي، وإخراجهم من منظومات عسكرية سرية بينها أنظمة الرادارات والأقمار الاصطناعية الغربية، ومنظومة الإنذار المبكر ، في المقابل تركيا ستتحرر في سياستها التسلحية اكثر فأكثر من القيود الغربية وستمتلك للمرة الاولى نظاماً صاروخياً في مواجهة الصواريخ البالستية، وستتخلى الى حد كبير عن خدمات مقاتلات "إف 16" الاميركية لكنها في صفقتها مع موسكو ستكون قد امتلكت فرصة المشاركة الى حد ما في تصنيع وإنتاج هذه الصواريخ في ترساناتها الحربية .




الصفقة تعني في اقل تقدير فشل شركاء الاطلسي في لعب ورقة المادة الخامسة من اتفاقية الحلف حول الزامية الشراكة ونجاح تركيا في التهديد بانهاء حكاية غرام بلباس عسكري بدأت قبل 60 عاما بين تركيا والغرب وكان العداء للمحور الروسي مركز الثقل فيها .


تركيا منحت الروس اليوم فرصة الاختراق العسكري الى قلب النظم الاطلسية ، وحظوظ اشعال ازمات تركية اميركية امنية وسياسية  وكذلك تعزيز التقارب والتنسيق في مسائل يتقدمها الملفين السوري والاوكراني الى جانب عقود تجارية انمائية استراتيجية مثل بناء خطوط الطاقة العابرة للقارات . الهدف الروسي التركي اللامعلن الان قد يكون على ضوء التوتر التركي الاوروبي المتزايد وضع ملف عضوية تركيا في منظمة شنغهاي الاسيوية على طاولة الحوار بدلا من الحلم التركي بالاتحاد الاوروبي .



واشنطن تعرف جيدا حجم دورها في انجاز هذه الصفقة التركية الروسية فهي التي تمسكت بقطع الطريق على السياسة التركية في سوريا والعراق ودعمت ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية وقررت رفع مستوى التنسيق الى ما بعد معركة الرقة ليشمل دير الزور والبادية وشمال غرب سوريا لاحقا . وهي التي رفضت الاستجابة للطلب التركي بتسليم فتح الله غولن المتهم الاول بالمحاولة الانقلابية الاخيرة في تركيا مما دفع الاعلام التركي للحديث عن تنسيق بين اجهزة الاستخبارات الاميركية وجماعة الكيان الموازي في استهداف تركيا ، وهي التي تحاول محاصرة حكومة اردوغان في الداخل والخارج خصوصا بعد الحملة الاخيرة التي شنها القضاء الاميركي على العديد من الشخصيات السياسية والمالية التركية بتهمة انتهاك قوانين الحظر الاقتصادي المفروض على ايران والتي اعقبها قرارات  قضائية اخرى بتوقيف مجموعة من فريق الحماية الشخصية للرئيس التركي بتهمة المشاركة في الاعتداء على مجموعة من المتظاهرين في شهر ايار الماضي خلال تجمع احتجاجي اثناء تواجد اردوغان في البيت الابيض . قرارات اغضبت انقرة ودفعت اردوغان لاعتبارها حربا غير معلنة على تركيا وقرار القمة الاميركية التركية المرتقب على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة في نيويورك ، ربما يكون اكثر من تسجيل لقرار الطلاق بين البلدين   

صفقة الصواريخ الروسية الاستراتجية الموقعة بين انقرة وموسكو اغضبت واشنطن حتما ، لكن  تقارير الاستخبارات التركية تقول انه ومنذ مطلع شهر حزيران الماضي وحتى اليوم بلغ عدد الشاحنات الاميركية المحملة بالسلاح والعتاد الى قوات سوريا الديمقراطية 1350 شاحنة .

هل تقتنع واشنطن بمسؤوليتها ودورها في دفع انقرة نحو موسكو لتحقيق كل هذه الانجازات في فترة زمنية قصيرة ؟



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سمير صالحة

سمير صالحة

كاتب وباحث تركي في العلاقات الدولية والعلوم السياسية،وعميد كلية القانون والعلوم السياسية في جامعة غازي عنتاب

مقالات أخرى للكاتب