آخر تحديث:06:36(بيروت)
الثلاثاء 12/09/2017
share

النوبي: من الخضوع إلى الخيانة

شادي لويس | الثلاثاء 12/09/2017
شارك المقال :
  • 0

النوبي: من الخضوع إلى الخيانة للنوبيين مطالب تاريخية تقمعها الدولة التي تعاملت بعنف مفرط مع تظاهراتهم الأخيرة.. والآن السينما!
قبل عام واحد من الثورة، عرضت صالات السينما المصرية، فيلم "الثلاثة يشتغلونها" (2010)، والمستوحى عنوانه من فيلم مصري آخر من إنتاج منتصف الستينات، كان عنوانه "الثلاثة يحبونها". لكن الفيلم الكوميدي، وإسقاطاته السياسية الركيكة، لم يكن مجرد إعادة تدوير ساخر للماضي، بل كان أيضاً استشرافاً غير مقصود للمستقبل القريب وتنميطه. فالبطلة المتفوقة دراسياً "نجيبة"، والتي قامت بدورها ياسمين عبد العزيز، تتورط في ثلاث علاقات متتابعة، تنتهي كلها باستغلالها. وفيما يبدو استغلال زميلها الثري المستهتر لها، ولاحقاً علاقتها بالداعية الإسلامي التلفزيوني، تيمات مكررة في السينما المصرية، فإن تورطها مع خالد، الثوري اليساري، الذي ينكر معرفته بها بعد إلقاء القبض عليها في مظاهرة كبيرة قام هو بتنظيمها، أضحت نموذجاً سيتم تكراره لاحقاً في أفلام ما بعد الثورة. في النهاية، تنتهي نجيبة، أو مصر، كما لنا نفهم، بعد صراع عليها من الإسلاميين والبرجوازيين والثوريين، إلى الزواج بأستاذها الجامعي، والذي لا تصعب قراءة رمزية مكانته في سلم التراتبية البيروقراطية لمؤسسات الدولة، وموقعه الأبوي فيها. 

لا يتضمن الفيلم ما يستدعي الكثير من الاهتمام، فحتى صورة "اليساري"، لم تخرج عن إعادة إنتاج لتنميطات "فوزية البرجوازية"، التي أفسدتها المبالغة. إلا أن مشهد المظاهرة الحاشدة، في الفيلم، يتضمن ما يلفت الكثير من الانتباه. فغير تسفيه المتظاهرين، ومطالبهم، وكانت من ضمنهم، على سبيل المثال، مجموعة من الأطفال، تحمل شعارات "عايزين عروسة باربي"، فإن المشهد يبدأ بعدد من المحتجين، يرفعون مطالبات بـ"انفصال النوبة". ومع تكرار عودة الكاميرا إلى المتظاهرين داكني البشرة، ودعواتهم الانفصالية، لا يكتفى يوسف معاطي، كاتب الفيلم، بالتخويف من تبعات العمل الاحتجاجي على وحدة التراب الوطني، بل يذهب إلى ترسيخ بروباغندا الدولة ضد مطالب النوبيين التاريخية، ناقلاً وصمتها بالخيانة إلى شاشة السينما.

لطالما قولبت السينما المصرية، في "عصرها الذهبي"، صورة النوبي، كخادم أو بوّاب أو سفرجي، طيب وخفيف الظل، داخل تراتبية إثنية وطبقية محكمة. فبين الخواجة الجريجي، والشوام، واليهودي في أحيان أقل، والفلاح أو أبن الطبقات الشعبية كمصريّ أصيل، فإن النوبي احتلّ مرتبة هي الأدنى بين الجميع، ولا يصعب تبيّن رضاه عن خضوعه لها، من ابتسامة "عثمان" التي لا تفارقه على الشاشة، وهو يلبي أوامر أسياده بحماس، أو يتقافز راقصاً على وقع قصص حبهم، وفي أحيان أقل لغرامه بحبيبة هي بالطبع خادمة مثله ومن لونه في أغلب الأحيان. لكن عثمان يبدو محظوظاً في النهاية، فتتاح له فرصة أن يتكلم بين حين وآخر بلكنته المضحكة أو لغته غير المفهومة مع أقرانه، وأن يعرض براءته الممزوجة بالسذاجة أمام الجمهور، وله اسم أيضاً، وإن كان لكل النوبيين في الأغلب اسم واحد كما اعتدنا. وفي المقابل، فإن مئات الأفلام، تزخر بصور النوبيين، الأقل حظاً، وهم صامتون في خنوع، في زي السفرجية الموحد، كخلفية وديكور للمشهد السينمائي.

لكن، وإن كان رحيل الجريج والشوام وغيرهم، بالإضافة إلى صعود إيديولوجيا القومية والعروبة في الحقبة الناصرية، سبباً لاختفاء الشخصيات الإثنية المنمطة في السينما مع أفول عقد الستينات، فإن شخصية النوبي التي انتقلت إلى شاشة التلفزيون، استهلكت وقتاً أطول قبل أن تتوارى تماماً في نهاية الثمانينات. يعود النوبيون في فيلم "الثلاثة يشتغلونها"، كتهديد. ينقلب الخادم الراضي إلى داعية انفصال، والسفرجي الساذج إلى خائن للوطن. تعكس السينما كالعادة واقع التراتبية الاجتماعية، وترسخ أسسها الإيديولوجية في آن واحد. فالقطيعة بين صورتَي النوبي السينمائية، وتحولهما الحاد، جاء في سياق إزاحة إيديولوجية لمنطق ما قبل يونيو للتعايش الإثني والاجتماعي، والقائم على تراتبية راسخة ليست محلاً للتساؤل أو النقد، واستبداله بمفاهيم القومية عن التجانس اللغوي والإثني والديني للأمة. كان للدعاية الرسمية أن تخبرنا بأن بداهة فكرة العروبة تكمن في وحدة اللغة والعرق والدين والتاريخ، كما أن الوطنية المصرية مؤسسة على وحدة عنصري الأمة، فالمصريون المسيحيون أقباط فقط. هكذا، يمسي غير ممكن التسامح مع منطق التنوع محكم التراتبية، والقبول بصورة الآخر "النوبي" حتى مع دونيته. فظهور النوبي، أو غيره المختلف، يصبح تهديداً لمفهوم التجانس المطلق، ولا يأتي ظهوره إلا مصحوباً بوصمة الخطر أو خيانة.

لا تستدعي أخبار اعتداء قوات الأمن على مسيرة "يوم التجمع النوبي" في أسوان، ثالث أيام عيد الأضحى، وإلقاءها القبض على 24 من المشاركين فيها، الكثير من الصدمة. فالنظام المصري اعتاد التعامل بقسوة مفرطة مع كافة أشكال الاحتجاج الجماهيري، وما زال متعنتاً أمام مطالب النوبيين في حق العودة، والمنصوص عليها في المادة 236 من الدستور. إلا أن المخجل في الأمر، هو أن ما يصل إلينا من أخبار عن الحراك النوبي، يبدو وكأنه من بلد آخر بعيد، لا نعرف عنه وعن أهله سوى القليل. وحتى بين المتعاطفين مع مطالب النوبيين، تقفز صورة واحدة إلى الأذهان، "عثمان" الساذج والطيب في لباس السفرجي، الذي يستدعى الكثير من الشفقة والقليل من الاحترام.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها