آخر تحديث:00:20(بيروت)
السبت 12/08/2017
share

دعاة علمانيون

أحمد عمر | السبت 12/08/2017
شارك المقال :
  • 0

وقف توفيق الدقن في فيلم "خرج ولم يعد" أمام ملصق فيلم المخلوق الفضائي الذي يشبه الضفدع الزرافة (E.T. the Extra-Terrestrial)، ثم نظر إلى عطية (يحيى الفخراني) ووجد شبهاً بينهما، وكان عطية قد تأخر عليه بالأجرة، فهزّ رأسه وارتخى فكّه وقال: الواد ده عنده حقد طبقي.

ووقفتُ في الأيام التي بلغ مجد عمرو خالد ذروته على مؤشر نازداك، وقلت: الواد ده عنده حس علماني.

وكنت أتضايق من كوارثه النحوية، فالرجل لا يجيد قراءة الأحاديث صحيحة، فهو مايسترو في اللحن، ويشبه لاعب كرة قدم أعرج أو به عرق النساء، لكنه ممثل قدير. فقد أدرك أنّ مسرح العرب هو الكلمة. ووجدت ذلك عندما ضبطته يوماً بالجرم المشهود، وكان قد خرج على محبيه من ثياب الواعظين، إلى زي المفتيين، فقال بتحريم سرقة المباريات المشفرة، فاستغربتُ عليه أن يهتم بالمباريات وحرمة سرقتها، وليس كراهة مشاهدتها.  وقبل أيام رأيت إعلانا على صفحته في فوائد الأيس كريم ( من غير عيش)، وليس الزنجبيل، وقد رابني، فقد كنت أحسب إن للأيس كريم أضرارا على الحلق و على الأسنان لبرودته.

الرجل " كيوت"، بلغ من رقته أنه خاف من مواطنٍ قطريّ، فهرب منه مخلفاً زوبعة من الغبار الفضائي والإلكتروني، وكأن القطريّ عفريت، وقد خرج من المصباح السحري. هو ليس أهلاً للفتوى، والناس فقراء، وتريد أن تفرّج همها بمشاهدة المباريات، اسكت عنها، أو دع الفتوى لأهلها؟

ولتوضيح معدل العلمانية، نقارن بينه وبين الداعية الأمريكي حمزة يوسف، الذي كان يرى في المباريات، وكرة القدم، تجارة سوداء ونخاسة، وأحقاداً، وخسارةً مالية، يستحسن إطعام الفقراء بها، ويفضّل للمسلم أن يلعب بالكرة حتى ينفع نفسه، لا أن يهدر عواطفه على فرق لا يهمها سوى الربح.  الحق يقال: إن عمرو خالد يعرف أنه لا يصلح للفتوى، ولم يدّعيها إلا تلك المرة، لاحقاً، استقدم مفتياً لصفحته، وهو مفتي “اقتلوهم" حسب الرائحة، وصاحب "الخازوق المغري" علي جمعة.

في السعودية لا يتدخل العلماء والدعاة في الشأن العام، فمن تدخّلَ فيه دخل في السجن، إلا إذا حضّ عليه الملك، كما حضّ في زمانه على مؤازرة الجهاد الأفغاني. انسَ عزيزي الداعية أنّ الدين نصيحة، أو هو نصيحة فقط للشعب، فالملك لا يُنصح.

أتذكّر أن العريفي كان ينتصر لمصر وسوريا في بداية براعم الربيع العربي، ثم طلب منه الملك المرحوم عبد الله الكفّ عن السياسة، فقال ملبياً في فيديو شهير: السمع والطاعة. وقدّرتُ أنه سعيد لاتصال الملك به. مع أن المعلوم أن السمع والطاعة يكونان في المعروف. وطاعة أولي الأمر تأتي بعد طاعة الله والرسول، إلا في بلادنا التقية الورعة تأتي قبلهما والعياذ بالله. ولا علاقة لفيديو السمع والطاعة بالفيلم الدعائي التجاري، الذي يدعو فيه دعاية تجارية لعطر اسمه الملك سلمان.

بينما يتدخل الفاتيكان، الذي عزل عن السياسة بسيف العلمانية في دولة روحية مستقلة، بين الحين والآخر بالنصح والإرشاد، في السياسة العامة والخاصة لدى الأمم، وحتى لدى إسرائيل، فتوصي بضبط النفس، بل ويتدخل الفاتيكان أحياناً لنصرة رعاياه بالفتك الإعلامي، وقد فعل في نصرةِ واحدٍ من أشرف رعاياه وهو السيسي، الذي فعل بالمسلمين والإسلام ما لم يفعله ابن أَمَة، فسافر بابا الفاتيكان إلى السيسي دعماً له وتثبيتاً.

وأمس سمعت مقابلة للقرني، ينفي فيها أنه تحدّثَ مرة في الشأن السياسي، بل يتباهى، ويتحدى أن يظهروا له فيلماً وهو يتحدث في السياسة. الرجل حاله حال المغنّي: يا ناس سيبوني في حالي، في حالي. "أنا علماني". أفصل بين الدين والدولة فصلاً تاماً، كالفصل بين الرجال والنساء. والنساء حالتهم في السعودية يرثى لها، ليس بسبب منع قيادة السيارة، وإنما لأن ذكورها مسرعون في كل شيء: تكوين الثروة، السيارة، والدين...والسرعة مؤشر علماني.

 القرني وأمثاله تركوا ما لله لله، وما للملك للملك. وهذه من علامات العلمانية الصافية. وكان البوطي رجلاً تقياً عابداً زاهداً، وفقيهاً، لكنه يرى القشة في أعيننا، ولا يرى الخشبة في عين علي دوبا، ولا علي أصلان، ولا علي حيدر، ولا علي جورج وسوف .. وقد خاب من استعلى. وقال بأن باسل في الجنة، فسبحان من أضحك وأبكى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ. أما ابنه الذي ورث منه منصبه الجديد الذي استحدثه النظام سريعاً بعد الثورة، فيغلب عليه الغضب في البرامج التلفزيونية التي يدعى إليها، ويشتم أحياناً، بل ويقذع في الشتم، والشتم لا يليق بالعلماء، فليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء، قد يكون معذورا لأنه موتور، فقد خسر أبيه وابنه، لكنه يجب أن يفرق بين الشخص والصفة. ويظهر أحياناً في برامج يرثى لحاله فيها، وهو يهان من ضيوف علوانين، عفواً: علمانيين.

الدعاة المشاهير في المملكة مفصولون عن الدولة، لكنهم بلا دولة، لهم فضائيات، ويطلبون في تغريداتهم ذكرَ الله والاستغفار بالعدد، ويذكرون الأرباح، عفواً الحسنات، والأرباح الأخروية منزوعة الدسم الدنيوي، والدنيوية منزوعة الأخلاق علامات علمانية. في الإسلام لا بد من الجمع بين الاثنتين حتى تنجو من النار.

وإذا أخذنا بمعيار الاستهلاك العلماني، سنجد أن الإمارات بلغت استهلاكيا لأصباغ التجميل أربعة مليارات من الدولارات في إحدى السنوات، ربما أكثر، أما الهدر في الخليج عموماً، فيشبع شعوباً وقبائل كاملة، الرز الفاضل من الولائم بالتلال. ولا علاقة للهدر بالعلمانية ولا بالكفرانية.

ولا بد من تذكر الداعية الروسي الحبيب الجفري، الباسم كمضيف طيران، فقد قرأت دعوة له كان ينوي إرسالها، ليس إلى صديقه السيسي أو ابن زايد، وإنما إلى خيري رمضان، يرجوه تخصيص برامج لنصرة الأقصى بالدعاء، وأحسب أن هؤلاء الدعاة العلمانيين سعداء بالفصل بين الدولة: للملك أو الرئيس، إمارة الدنيا، ولهم إمارة الآخرة، فيفتي.. فيفتي. كلهم يطلبون منا الدعاء، وكأنهم يعرفون أن الدعاء لن يجدي، بسبب سد النهضة الأثيوبي، وسد قانون الطوارئ، وكثرة الفساد، فشروط قبول الدعاء لا تنطبق علينا.

 ولا بد أن نتذكر الداعية العلماني، الصافي العلمانية، آية الله العلمانية، أبو علي الثقافة والحداثة العربية المنكودة والمبتلاة، وأيقونتها في القرن العشرين والحادي والعشرين (وخذ نفس إلى يوم الدين) . السيد العلاّمة الفهّامة النحرير، باقر بطن المعرفة، وصائد الجوائز غربية وشرقية، الخواجة السوبرمان أدونيس، الذي يرتع ويلعب في صحف وإعلام المملكة العربية السعودية، ويأخذ أكبر أجر على كلمات من خشب نخره السوس، وتوطّأ له المنابر والأكناف، وكأن المملكة ينص دستورها على العمل بالكتاب والسنة وإكرام الداعية أدونيس.

كل المذكورين يحجّون ويعتمرون كل سنة، ويعودون كما ولدوا، مغسولين من ذنوبهم، ويجبرون أمثالي من الحسّاد والجوعى والخوارج على أكل لحومهم المسمومة، فلحوم العلماء مسمومة من مداهنة السلطان، ولحم بعضهم منتهي الصلاحية، لكنها لحوم سريعة النضج ، "فاست فود"، والفاست فود طعام علماني .



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها