آخر تحديث:23:54(بيروت)
الإثنين 06/02/2017
share

الخبراء يفاوضون أنفسهم

شادي لويس | الإثنين 06/02/2017
شارك المقال :
  • 0

خبر مقتضب نشرته وكالة "رويترز"، صباح الأحد الماضي، عن ياسر صبحي، مساعد وزير المالية المصري للسياسات المالية، والذي تقدّم باستقالته من منصبه الحكومي، للانتقال إلى العمل كخبير استشاري في صندوق النقد الدولي. لا يتضمن الخبر ما يلفت الإنتباه للوهلة الأولى، فصبحي ليس اسماً معروفاً إعلامياً، وأمر انتقال خبراء حكوميين أوتكنوقراط يشغلون مناصب عامة، للعمل في هيئات دولية أو أقليمية، أو حتى ليلتحقوا بشركات رأسمالية محلية أو أجنبية هو أمر معتاد، بل وأحياناً يعتبر خطوة متوقعة في المشوار المهني، وكذلك مدعاة فخر وطني، بتولي مصري منصباً إقليمياً أو دولياً.

لكن وبالرجوع إلى شهر أيار/مايو 2015، فإن خبراً لا يقل اقتضاباً، نقلته الصحف المصرية، ويقدم لنا أسباباً كافية للإهتمام بانتقال صبحي. فالخبر الذي ينص على ترقيته إلى منصب نائب وزير، قبل عام ونيف، يضيف أنه "الذراع اليمنى" لوزير المالية، كما أنه لاعب أساسي في رسم السياسات المالية والاقتصادية والضريبية، إضافة إلى حضوره بشكل دوري لإجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي، ممثلاً مصر. وتؤكد "رويترز" في خبرها، أن صبحي هو "أحد واضعي برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي اتفقت عليه مصر مع صندوق النقد". إذاً، فصبحي الذي كان يجلس على الطاولة ممثلاً لمصر في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، حتى أيام قليلة ماضية، سينتقل، منتصف الشهر الحالي، إلى الجهة المقابِلة من الطاولة. هكذا، تبدو عملية تبادل الأدوار سهلة وشديدة اليسر، وغير كفيلة بإثارة إي قلق لدى أي من الأطراف. بالطبع لدى صندوق النقد، كغيره من المؤسسات، قواعد لتفادي تضارب المصالح. فصبحي في النهاية سيعمل لدى الصندوق في وحدة السياسات المالية في السعودية. ربما يعود صبحي إلى مصر، لتولي منصب حكومي أو حتى وزاري في المستقبل، وهكذا يعود ليفاوض الصندوق أو وزارة المالية السعودية بالنيابة عن مصر، مرة أخرى.

في النهاية، يبدو انتقال صبحي أمراً معتاداً، إن لم يكن روتينياً. فلا يجب النظر إلى صندوق النقد بوصفه خصماً مثلاً، ولا للمفاوضات معه بخصوص القروض وبرامج الإصلاح الاقتصادي وغيرها بوصفها صِداماً أو مواجهة بين مصالح متناقضة- وإن كان لدى البعض رأي آخر في أهداف صندوق النقد ودوافعه، وهو ليس موضوعنا هنا. كذلك لا يمكننا التشكيك في نزاهة صبحي ولا في ولائه، سواء لوطنه أو لمقتضيات وظيفته الجديدة مهنياً، فنحن حقاً لا نعرف عنه ما يدعونا إلى سوء الظن به. لكن الأمر لا يتعلق بصبحي نفسه، ولا بعملية إنتقاله تحديداً، بل بتلك الاعتيادية والروتينية التي تمت بها عملية الانتقال. فتلك السلاسة التي لا تستدعي إنتباهاً، مؤسسة على افتراضات عديدة، تصل إلى حد القناعات عن مفهوم الحكم، والفصل بين السياسي والفني في هيئات الدولة، وكذلك مفاهيم السيادة الوطنية في علاقتها مع المؤسسات الدولية والرأسمالية، والأهم مفهوم المعرفة العلمية.

ينتمي صبحي إلى نخبة تكنوقراطية محلية، معولمة بالضرورة، تتمتع بقدر لابأس به من المرونة في القفز على الخطوط الفاصلة بين الوطني والمعولم، وهي حدود أصبحت شديدة الهشاشة وعصية على التعيين بشكل عام. وتنبع مرونة موقع الخبير، كما تقاطع المحلي بالعالمي، من مصدر واحد، هو افتراض حيادية المعرفة التقنية. فالاقتصاد الذي بذل العاملون فيه، جهوداً مضنية لتعيينه كحقل معرفي مستقل، بفصله عن السياسة والعلوم الاجتماعية والإنسانيات قدر الإمكان - وهو الأمر الذي لم يكن ممكناً دائماً - اكتسب صبغته "العلمية" ببنية تعتمد المنهج الإحصائي والنماذج المنطقية المؤسسة على الرياضيات. تفترض تلك "العلمية" أمرين. أولاً النجاعة، فمن أقدر على الحكم وإدارة الشأن العام سوى أصحاب المعرفة العلمية والتطبيقية؟! هكذا، يصبح حكم الخبراء أمراً مفهوماً، لا بوصفه نفياً للسياسة فحسب، بل أيضاً كتبرير لأكثر صورها قمعية في أحيان كثيرة. أما الفرضية الثانية التي تتأسس على مفهوم "العلمية"، فهي عالميتها، فبشكل بديهي لا تبدو الرياضيات حاملة لأي إيديولوجيا بعينها، ولا تتنازعها مصالح سياسية متناقضة. هكذا، فإن سؤال النزاهة أو المصلحة الوطنية والإنتماء لا يبدو له مكان في تقييم عمل الخبراء ومؤسساتهم، سواء كانت دولية أو محلية. فمنطق التقييم الوحيد هو الكفاءة الفنية التي تعينها المعرفة مقترنة بالخبرة.

خبر آخر نقلته صحف صباح الأحد: "الحكومة تستعد لإجراءات تقشفية، تزامناً مع مراجعة صندوق النقد للإصلاحات الإقتصادية". لا يمكننا التأكد إذا كان صبحي مشاركاً في تحديد خطة التقشف الأخيرة، قبل انتقاله بأيام قليلة إلى الصندوق الذي سيقوم بمراجعتها. لكن الأكيد أن عشرات الخبراء الفنيين، من مصر وغيرها، سينكبّون، الشهر المقبل، على مراجعة الإجراءات التي ربما وضعوها بأنفسهم. وسيتبادلون مواقع التفاوض، مرة بعد الأخرى. فمَن يمثّل مصر اليوم، سيمثل الصندوق غداً، أو ربما يتولى منصباً في بنك أو مؤسسة خاصة تنفعها أو تضرها تلك الإجراءات. وفي حمّى تبادل لعبة الكراسي الموسيقية وقصص الصعود المهني للخبراء، سيقوم الاستشاريون الفنيون في قاعات الإجتماع المغلقة، بمراجعة ومفاوضة ومحاسبة ومساءلة بعضهم البعض، فيما نحن تملأنا طمأنينة الثقة في مشاريع الإصلاحات الإقتصادية التي لا تنتهي، والتي تعني غالباً المزيد من إجراءات التقشف، وترقية المزيد من الخبراء. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها