آخر تحديث:07:25(بيروت)
الثلاثاء 14/02/2017
share

الطب كسياسة

شادي لويس | الثلاثاء 14/02/2017
شارك المقال :
  • 0

قامت قوة من قسم الأزبكية بوسط القاهرة، الخميس الماضي، بإغلاق مركز "النديم لعلاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، بالشمع الأحمر. لم تكن هذه المرة الأولى. ففي شهري فبراير (شباط)وإبريل (نيسان)الماضيين حاولت إدارة حي الأزبكية إغلاق المركز متذرعة بمخالفات عديدة، لكن يبدو أن الحُجة الأكثر إقناعاً التي تقدمها السلطات، إلى الأن، أن المركز والمرخص له بالعمل كعيادة طبية، يتعدى أنشطة العلاج، وينشط في مجال توثيق وقائع التعذيب والعنف المتورطة فيها أجهزة الدولة وغيرها، بالإضافة إلى تقديمه الدعم القانوني للضحايا، وهي أمور تبدو للوهلة الأولى، بالفعل، وكأنها لا تقع في مجال الاختصاصات الطبية. لكن مسألة الترخيص ومخالفة الاختصاصات لا تُعدّ مجرد حجة يستخدمها النظام للتضييق على المركز، بل ربما تكون هى الدافع الحقيقي لإغلاقه. فما يمثله "النديم" من إزعاج، يتعدى مجرد توثيقه وقائع التعذيب ودعم ضحاياه قانونياً. ففيما لا تزال العشرات من المنظمات الأكثر تخصصاً تعمل في مجال التوثيق والدعم القانوني، فإن معضلة "النديم" الأكبر هي في تقديمه تصوّراً مغايراً عما يعنيه الطب وممارسته.

الطب، وعلى خلاف ما يبدو، هو إحدى أكثر المهن تسييساً. فبداية من السياسة الصلبة، أي أسئلة استحقاق العلاج وكلفته، ودور الدولة في توفيره وضمان كفاءته، ومخصصاته المالية وأولوياتها، مروراً بآليات الضبط المتعلقة بسياسات الصحة العامة والإنجاب وغيرها، المنتِجة لصورة الفرد الصحيح والأسرة والممارسات اليومية المقبولة وأضدادها، فإن الممارسة الطبية اليومية مسيّسة على أكثر مستوى. فالتداخل بين العلمي والديني يبدو أمراً من الصعب تجاوزه، ليس فقط في تحديد مدى أخلاقية ممارسة طبية بعينها على أسس دينية، بل أيضاً في تطييف الرعاية الصحية نفسها. فالأقباط، على سبيل المثال، وكما جرى العرف، غير مرحب فيهم في تخصصات النساء والتوليد، وبشكل أقل أقسام الأطفال، ويبدو عجز الدولة عن توفير الخدمات الطبية الأساسية، مدخلاً لخدمات أهلية بديلة ذات صبغة دينية منفصلة لأصحاب الطوائف المختلفة. بل وحتى في المستشفيات العامة، هناك وقائع موثقة للامتناع عن تقديم الخدمة الطبية لأسباب تتعلق بطائفة المريض أو جنسه، أو لدوافع تتعلق بالموقف الأخلاقي أو السياسي لمقدم الخدمة من متلقيها.

ومع الإقرار بتداخل الطبي مع السياسي، فما زال مبرراً فرض الحياد المهني على الممارسة الطبية، لضمان تقديم الخدمات الصحية للجميع بلا تمييز، وفي إطار يحكمه القانون العام والقواعد المهنية المنظمة للتخصصات الطبية، حتى لا تصبح صحة متلقي الخدمة خاضعة للأهواء الشخصية والمواقف الإخلاقية والسياسية المختلفة. لكن ما يسعى اليه النظام السياسي في مصر، وغيره من الأنظمة السلطوية، ليس حياداً مهنياً، محوره التجرد من الانتماء السياسي إثناء القيام بمهام الرعاية الصحية، بل بالأحرى هو تجرد من القيمي والأخلاقي. هكذا، فإن ما تتطلبه الأنظمة السلطوية هو تأطير الطب بوصفه ممارسة تقنية، مفرغة من محتواها القيمي، تحكمها شبكة من القوانين المكتوبة والقواعد الإدارية . يتحول مقدم الخدمة الصحية في ذلك الإطار، إلى حلقة في سلسلة من التراتبيات الإدارية، وتوكل إليه مهام وظيفية تقنية وأوامر ينفذها. هكذا يوكل لأطباء القوات المسلحة توقيع كشوف العذرية، ويقوم آخرون بانتهاك أجساد المتهمين بالمثلية الجنسية بوصفها إجراءات للفحص الطبي المحايد، بينما يُعدّ غيرهم تقرير وفاة من لقوا حتفهم في مراكز الاحتجاز، والذين يموتون عادة بهبوط حاد في الدورة الدموية أو بسبب ابتلاع لفافة "بانجو" كاملة.

ومع هذا، فإن الاشتراك في جرائم النظام أو التواطؤ الصريح عليها، هو الاستثناء لا القاعدة. لكن النتيجة الأخطر لتفريغ الطب من محتواه الأخلاقي والسياسي، بحجة الحياد المهني، هو وقوف المؤسسة الطبية صامتة أمام التجاوزات والانتهاكات من داخلها أو من خارجها، مكتفية بدورها المهني، أي العلاج من دون تورط أبعد. لكن، هل يمكن حقاً تقديم علاج بلا سياسة؟

ما يقدمه مركز "النديم"، هو إدراك بأن "العلاج" لا يتعلق باختلال جسماني أوعقلي فردي، بل باختلال في منظومة أوسع، اجتماعية و قانونية وسياسية. لا يتعلق الأمر فقط بعلاج "الصدمة" وتأهيل من يعانونها، بل بمكافحة أسبابها، سواء كانت التعذيب أو العنف المنزلي أو الإعتداء الجنسي، وفضح المسؤولين عنها، والعمل على استئصالها. هكذا يتبع نموذج "النديم" منهجاً طبياً هو الأكثر ثباتاً وعلمية، أي استئصال السبب، جنباً إلى جنب مع علاج العوارض.

وفيما يتمحور النقد الأكثر جذرية للعلاجات النفسية، حول تركيزها على الاختلال النفسي بوصفه مشكلة فردية، تنتهي بإرغام صاحبها على التأقلم مع نظام إجتماعي مشوّه هو مصدر أزمته في أحيان كثيرة، فإن "النديم" لا يرى في مستخدميه أفراداً يعانون اختلالات تستدعي ضبطاً وإعادة تأهيل فردي، بل ضحايا لمنظومة مضطربة، فيشجعهم على مواجهتها والعمل على إصلاحها كجزء من علاجهم الفردي، وبغية إصلاح النظام ككل.

يدرك العاملون في "النديم"، بأن أقسى ما يعانيه ضحايا الصدمة، هو ذلك الشعور العميق بالعجز أمام ما حدث لهم، وأمام مرتكبيه، والمنظومة التي أنتجته، ممزوجاً بشعور بالعار أمام خوفهم وصمتهم وانسحاقهم. لذا، فإن توثيق المعاناة وكشفها للرأي العام، في نموذج "النديم"، وفضح المتورطين فيها، مع تشجيع الضحايا على المطالبة بحقوقهم قانوناً، والحديث عنها، هو أحد أهم العناصر، إن لن يكن أهمها على الإطلاق، في تعافي الضحايا، إضافة إلى تشجيعهم على التخلص من حالة "الضحية" والتغلب عليها.

هكذا، فإن ما يزعج النظام هو ذلك التصور عن الطب وممارساته. أي أن يرى كل من الطبيب ومتلقي الخدمة الصحية، أن المرض ليس مجرد حالة من إضطراب في وظائف الجسم، بل هو أيضاً نتاج شبكة معقدة من قصور الخدمات العامة وشبكات المياه النظيفة والصرف، وسوء التغذية وإنعدام التوعية، والفقر وسوء توزيع موارد الدولة.. أي أن يصبح الطب سياسة، كما يجب أن يكون. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب