آخر تحديث:08:24(بيروت)
الأحد 08/01/2017
share

ماذا لو اغتيل ترامب؟

إياد الجعفري | الأحد 08/01/2017
شارك المقال :
  • 0

لا يبدو أن إجماع المنجّمين الفلكيين، على أن يشهد العام 2017، اغتيال دونالد ترامب، أو محاولة اغتياله، على الأقل، نابعاً عن تأثير الفلك وقراءاتهم له، حسب إدعاءاتهم، بقدر ما هو نتاج مماشاة جزء كبير منهم لتلك المخاوف التي برزت جليّة في دوائر عدّيدة حول العالم، بما فيها تلك التي تشارك في صنع القرار بواشنطن نفسها، حيال فوز ترامب واقتراب توليه لمهامه.


يربط البعض تنجيمات الفلكيين وتوقعاتهم، بدوائر استخباراتية يعملون لصالحها، فيما يربطها آخرون، ببراعة بعض أولئك المنجّمين في التحليل السياسي الاستشرافي للمستقبل، بصورة تتيح لهم توقع أحداث مُرجّحة، لتُصيب، فيُصيبون معها شهرة كبيرة، تساعدهم أكثر على مزيدٍ من الارتزاق في هذا المجال. لكن، لا يبدو أن المُنجّمين وحدهم من توقعوا هزة كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، في السنة الأولى من ولاية ترامب.


تلك المخاوف، أو ربما التمنيات، بادية في كثيرٍ من التحليلات السياسية، بعضها لمُخضرمين، حتى في العالم الغربي ذاته. ذلك أن المراقبين للمشهد الأمريكي يقرأونه من زاويتين، أو وفق نظريتين، تشي إحداهما بهزة كبرى لمؤسسات الدولة الأمريكية، إن ظل دونالد ترامب، بالفعل، عند وعوده التي أغدقها بكثرة خلال حملته الانتخابية.


تلك النظرية التي أشرنا إليها، تتحدث عن "دولة عميقة"، تدير الولايات المتحدة الأمريكية، قوامها الرئيس، عن شراكة بين نواة ضيقة من التكنوقراط التي تدير مؤسسات الدولة، بالتحالف مع أجهزة الأمن وقيادات الجيش، وكذلك، مع ثُلة من الأثرياء الصناعيين والماليين. وهي نظرية رائجة بقوة، في قراءات المحللين، بمن فيهم أمريكيون، لكيفية صنع القرار في واشنطن.


وفي إطار المُؤمنين بتلك النظرية، ينقسم المُختصون حيال مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، إلى فريقين، يرى الأول منهما، أن الوافد الجديد إلى البيت الأبيض، يتحدر من خارج تلك النخبة الضيقة التي تدير في الخفاء، أعظم دول العالم. بل ويذهب الفريق الأول في قراءته إلى أبعد من ذلك، إذ أنه يراهن على أن ترامب وفريقاً من مساعديه، يسعون بالفعل، لتحدّي سلطة تلك "الدولة العميقة"، كما سبق وقال ترامب ذلك بصراحة، أكثر من مرة، وإن بعبارات غير مباشرة.


ويرى منظّرو الفريق الأول، أن ترامب جاد بالفعل في تحديه ذاك، ويدللون على الأمر بتغريداته المثيرة للجدل في الأسابيع الأخيرة، والتي طالت عمالقة صناعة السيارات والتقنيات في الولايات المتحدة، وحول العالم، بدءاً بـ "أبل"، مروراً بـ "فورد" جنرال موتورز"، وليس انتهاءاً بـ "تويوتا".


طَرحُ ترامب القاضي بإجبار تلك الشركات على وقف نشاطاتها التصنيعية خارج الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتمد على عمالة بلدان شرق أوسطية، رخيصة، عبر فرض ضرائب جمركية عالية على منتجاتها الواردة إلى السوق الأمريكية، يمثّل ضربة قاتلة، لنشاطات استثمارية هائلة لتلك الشركات الأمريكية والعالمية الضخمة، في حال وُضع موضع التنفيذ.


ولا تقف طروحات ترامب المثيرة لمخاوف عالم الأعمال الثري في أمريكا، عند ما سبق. بل تتعداها لتطال شركات التقنية والاتصالات، برؤى تُجبرها على الحدّ من تنوع كادرها العلمي والإداري من حيث الجنسية. وحصره إن أمكن، بجنسيات محددة، أو بالجنسية الأمريكية، فقط.


ما سبق يعني بإيجاز أن طروحات ترامب إن وُضعت موضع التنفيذ، ستُفضي إلى القضاء على فلسفة اقتصادية بُنيت على أساسها المرحلة الأخيرة من النهضة الصناعية والاتصالاتية الغربية، وتحديداً الأمريكية، على مبدأ العولمة، وتجاوز الحدود والجنسيات، وكذلك، تجاوز مركزية الدول في صنع القرار الاقتصادي حول العالم.


فلسفة أَثْرَى بسببها الكثير من الشركات ومساهميها الكبار، حول العالم، بشكل عام، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل خاص. الأمر الذي يجعل تلك الفلسفة، وما يستتبعها من حراك اقتصادي واستثماري عالمي، موضع حماية من جانب عرّابيها وسدنتها المستفيدين منها في الكثير من دول الغرب والشرق أيضاً. وفي مقدمتهم، رموز عالم المال والأعمال الأمريكي.


ووفق تلك القراءة، فإن دونالد ترامب، إن كان جاداً في الذهاب بعيداً في تنفيذ تعهداته الانتخابية على هذا الصعيد تحديداً، فإنه سيكون بشكل مباشر، عدواً لرموز ذلك العالم، بكل سطوتهم ونفوذهم، وتحالفاتهم الأخطبوطية، داخل التكنوقراط والجهاز الأمني والعسكري الأمريكي من جهة، وداخل عالم صنع الرأي العام، بما فيه الإعلام ومؤسسات البحث، من جهة أخرى.


وإذا كانت ماكينة صنع الرأي العام الأمريكي، التي تشكل جزءاً من منظومة القوة الناعمة، لأثرياء أمريكا، قد عجزت عن وقف ماكينة ترامب الصاعدة، فإن قناصاً محترفاً، مجهول الهوية والدافع، قادر على تنفيذ تلك المهمة. كما حصل قبل أكثر من خمسة عقود، في مشهد اغتيال جون كينيدي، الذي ما تزال الجهة التي تقف وراءه، حتى اليوم، لغزاً، يخضع للكثير من التأويلات والتحليلات.


لقد قُتل كينيدي قبل نصف قرن لأنه كاد أن ينال من مصالح الأقلية الممثلة بالتجمع الصناعي العسكري، حينما وقّع على مرسوم يعيد سيطرة الدولة على إصدار العملة، بدلاً من أرباب البنوك السبعة التي تتحكم بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.. تلك إحدى قناعات الفريق الأول من أنصار نظرية حكم الأقلية في واشنطن، الذين يعتقدون أن ترامب قد يكون الرئيس الأمريكي الخامس الذي سيُغتال، إن ذهب بعيداً، بشكل جاد، في الاتجاه الذي يتحدث فيه اليوم، عبر تغريداته.


أما الفريق الثاني من أنصار النظرية ذاتها، فيرون أنه من الحمق، الظن أن دونالد ترامب سيكون من أنصار العمال والفلاحين الأمريكيين، حسب ما يدّعي. فهو في نهاية المطاف، رجل الأعمال الذي تتعدى ثروته، 10 مليارات دولار. والرجل الذي ما كان ليصل إلى ما وصل إليه في السلم الانتخابي، لولا أن النخبة الخفية التي تدير واشنطن، فتحت له السُبل. فـ دونالد ترامب في نهاية المطاف، كومبارس جديد على مسرح السياسة الأمريكية المُدار كُليةً من كُتاب سيناريو ومخرجين، غير معروفين للعامة من الناس.


بكل الأحوال، يبدو أن العام 2017، بدءاً من تولي ترامب لمهامه بعد 12 يوماً، سيحمل الإجابة على سؤال راود أذهان بعض المراقبين: هل تعرضت الصفوة الحاكمة الخفية في واشنطن لاختراق مع تقدم ترامب إلى سُدة الرئاسة؟، وكيف ستتصرف حيال ذلك؟




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها