آخر تحديث:21:56(بيروت)
الإثنين 02/01/2017
share

غدر الزمان وطبائع المقادير

شادي لويس | الإثنين 02/01/2017
شارك المقال :
  • 0

انتهت مغامرة نجيب ساويرس السياسية القصيرة، بتغريدة في "تويتر"، يشكو فيها "غدر الزمان"، بعدما قام المؤتمر العام لحزب المصريين الأحرار- الذي أسسه قبل أقل من ستة أعوام- بإطاحته من الحزب، الأسبوع الماضي، وإلغاء مجلس الأمناء الذي يرأسه. ومع أن ساويروس هدد باللجوء للقضاء لحسم خلافه مع المكتب السياسي للحزب، إلا أن بيت الشعر للأمام الشافعي الذي استعان به في تغريدته، يقرّ ضمنياً بأن المعركة قد حسمت، فالكلاب بالفعل ترقص على "جثث الأسود" المهزومة. وليس ساويرس وحده الذي يستعين بالبلاغة. ففي اليوم الأول من العام الجديد، نشر الإعلامي إبراهيم عيسى، بياناً يفصل فيه أسباب إيقاف برنامجه على قناة "القاهرة والناس" وتركه لمساحة التعبير التلفزيوني، ومن بين الأسباب "مجريات الوقائع وضرورات الوقت وطبائع المقادير".

وبين شِعرية ساويرس المستعارة، وتوريات عيسى المثيرة للشفقة، فإن ما يربط بينهما هو أكثر من البلاغة الركيكة. فساويرس، الابن النزق للرأسمالية المصرية، والذي تعدّت مشاكساته، التصريحات المزعجة المتواترة، إلى محاولة تمثيل مصالح قطاعات من طبقة رجال الأعمال بالأصالة عن نفسها من دون الانضواء الكامل تحت مظلة النظام، جنباً إلى جنب مع عيسى، صاحب التاريخ الطويل في العمل الصحافي والتلفزيوني المعارض، والذي احتفظ فيه بمسافة مناسبة من الأنظمة السياسة المتعاقبة، سمحت له بأن يكون مصدراً للإزعاج من دون الصدام الكامل معها، مثّلا نهاية نموذج للعمل العام من داخل المنظومة القائمة وشبكات مصالحها، في نطاقات محسوبة بدقة، على الحد الفاصل بين المعارضة والموالاة، أتاحها تسامح النظام السياسي مع الحد الأدنى من النقد وإمكانية التمثيل السياسي لفئات بعينها.. حتى وقت قريب.

لكن سياسات الاحتواء المباركي، والتي يعود لها الفضل في صعود ساويروس الرأسمالي السياسي، وتحقق عيسى إعلامياً، والتي اتّبَعَها نظام الثلاثين من يونيو بشكل أقل تسامحاً في البداية، تبدو وقد فقدت مبرراتها لدى النظام الحالي. لكن الأمر يتعدى مجرد المرويّة الكلاسيكية عن الأنظمة القمعية، التي بعد أن تنجح في القضاء على أعدائها المباشرين، تتحول إلى تحطيم شركائها بعد إنتهاء أدوارهم، ومن ثم إلى التهام أبنائها أنفسهم بفعل القصور الذاتي لماكينة القمع التي لا تتوقف عن الدوران. فإطاحة ساويرس وعيسى لم تأتِ بفعل تدخل مباشر من النظام، أو عبر إجراءات قمعية من قبل أجهزته الأمنية. بل جاءت نتيجة المواقع الهشة التي اختارها كل من ساويرس وعيسى بكامل إرادتهما، من دون أدنى علاقة لغدر الزمن والمقادير بالأمر.

فالانقلاب على ساويرس، جاء من داخل حزبه، والذي فتح أبوابه أمام الأعضاء السابقين في الحزب الوطني، ورجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، ورجالات الجيش والأجهزة الأمنية للانضمام إلى هيئاته وتولي مناصبه القيادية. أما إيقاف برنامج عيسى، فربما جاء من بين أسباب عديدة، نتيجة استجابة مالك القناة طارق نور، للضغوط التي مورست عليه بشكل غير مباشر، عبر تهديد مصالحة الاقتصادية، بعد إلغاء الحكومة، نهاية الشهر الماضي، لمعرض "لومارشيه" للأثاث الذي تنظمه إحدى شركاته لأسباب أمنية.

هكذا، فإن إزاحة كل من ساويرس وعيسى، تؤكد مرة أخرى، منهجية النظام السياسي في القضاء على كل شكل من أشكال النقد حتى المدجن منها، ورفضه لفكرة التمثيل السياسي حتى للطبقات الرأسمالية المتنفذة. كما أن تورط كل منهما في شبكة المصالح المرتبطة بشكل مباشر بالنظام، والتي، وإن سمحت لهما بتحقيق مكاسب مالية استثنائية، فقد جعلت موقعهما في غاية الهشاشة حتى باتت مسألة التخلص منهما أمراً يسيراً، فذلك يستدعي شماتة الأطراف كافة، بلا أدنى حد من التضامن أو الشفقة، ولا يسمح لهما سوى بالتباكي على غدر الزمان، أو الشكوى من طبائع المقادير. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها