آخر تحديث:08:23(بيروت)
الجمعة 22/07/2016
share

الانقلاب تركي والنفاق أميركي

حسين عبد الحسين | الجمعة 22/07/2016
شارك المقال :
  • 0

ان يتأسف كبير الخبراء في “جمعية الدفاع عن الديموقراطيات” جون هانا لرعونة الانقلابيين الاتراك “الذين لم يراعوا القواعد الاساسية للانقلاب” بعدم اعتقالهم رئيسي الدولة والحكومة هو تجلٍ للنفاق، اذ كيف يمكن ان يعمل في جمعية تدّعي الدفاع عن الديموقراطيات حول العالم، ويتمنى في الوقت نفسه لو نال انقلابيو تركيا من رئيسها وحكومتها المنتخبين؟
وحتى لا نظلم الصديق هانا، ربما أخذته حماسته “الاستراتيجية” في مقالته في “فورين بوليسي” ضد رئيس تركيا رجب طيب اردوغان، لكن من المفيد ان نتذكر ان السيد هانا نفسه كان من ركائز سياسة “نشر الديموقراطية”، التي انتهجها الرئيس السابق جورج بوش الابن.
وهانا كان يعمل مستشارا للأمن القومي لنائب الرئيس ديك تشيني، وهو أدى مع مسؤول الشرق الاوسط في مجلس الأمن القومي اليوت ابرامز دورا حاسما في قيادة معسكر المحافظين الجدد، الى ان انقلب بوش على هذا المعسكر داخل ادارته، فطرد وزير الدفاع دونالد رامسفلد واقصى تشيني، وسلّم الدفة لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، التي قلبت بدروها السياسة الخارجية، وافتتحت سياسة “الانخراط” مع الرئيس السوري بشار الأسد في العام ٢٠٠٧ بعد سنتين على عزلته التي تلت اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري.
وللانصاف ايضا، لا بد من القول ان ابرامز، صديق اسرائيل الاول منذ الثمانينات، مازال ملتزما مبادئه تجاه الديموقراطية، فهو من اليمينيين القلائل ممن عاكسوا اسرائيل بوقوفه ضد انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر، ووقع ابرامز عرائض تطالب برحيل الأسد، وتطالب الحكومة الاميركية باستقبال لاجئين سوريين، مشبها اياهم باللاجئين اليهود الذين حاولوا الهروب من اوروبا النازية ليجدوا ابواب اميركا موصدة في وجوههم.
 لكن امثال ابرامز المبدئيين (بغض النظر عن الاختلاف او الاتفاق مع مواقفه) من القلائل، وهو ما يعني تفشي حالة من النفاق العام بين المسؤولين الاميركيين، الحاليين والسابقين، والخبراء والاعلاميين، خصوصا المعنيين منهم بالسياسة الخارجية. هؤلاء يتأرجحون بين المطالبة بالديموقراطية، عندما تناسبهم، وتناسيها وتأييد العسكر “العلماني” و”حامي الاقليات”، عندما يناسبهم ذلك ايضا.
“خبير” أميركي آخر يعمل في معهد “اميريكان انتربرايز” اليميني ويكتب في “فورين بوليسي”، مثل هانا، وأيد حرب العراق و”نشر الديموقراطية” هو مايكل روبن، الذي نشر مقالة اعتبر فيها ان على اردوغان ان “يلوم نفسه” للانقلاب الذي وقع ضده. 
وانضم روبن الى هانا وجوقة المصرّين على اعتبار اردوغان ديكتاتور، وكتب: “هناك مشكلة غرور اردوغان، فهو بعدما فاز وحزبه في انتخابات تلو الانتخابات، تخلى عن التظاهر بأنه يحكم كل الاتراك”. لا يلاحظ السيد روبن ان اتهاماته لاردوغان هي من باب الثرثرة، اذ ماذا يعني ان يمر في مقاله مرور الكرام على انتصارات اردوغان الانتخابية، وكأن الأمر تحصيل حاصل، ثم يحصر انتقاده للرئيس التركي بصفات، لا تعريف سياسياً لها، مثل مغرور؟
هذه عينة من اليمين الاميركي، الذي يفترض انه يدعم الديموقراطية ونشرها حول العالم، مقارنة باليسار الاميركي، الذي يلعن الديموقراطية منذ زمن بعيد، ويتمسك بالأسد وامثاله، حسبما يبدو جليا من سياسات الرئيس باراك أوباما “اليساري” وفريقه.
ومن المفهوم ان يعلن “اصدقاء الديموقراطية” في العراق وايران، مثل هانا وروبن، معارضتهم لاردوغان. لكن اليسار الاميركي يعارض محاولة اردوغان المزعومة تحويل الديموقراطية التركية الى ديكتاتورية، وهذا اليسار نفسه لا يؤيد الديموقراطية اصلا، بل يناصر الديكتاتوريات حول العالم على انواعها، من ميانمار الى ايران فكوبا مرورا بسوريا.
ربما هو الاسلام الذي يزعج يمين أميركا ويسارها، أكان اسلاماً ديكتاتورياً ام ديموقراطياً ام بين بين. لكن اليمين الاميركي لطالما تغنى بتركيا المسلمة كنموذج للديموقراطية، حسب عرّاب هذا اليمين المؤرخ برنارد لويس، الذي تجاوز المئة من عمره.
الاسباب كثيرة ولامجال لبحثها هنا، لكن العداء الاميركي، من اليمين واليسار، لرئيس تركيا وحكومتها هو عداء فاضح. حتى قناة اخبار “اي بي سي ٧” المحلية افتتحت نشرتها بالقول ان “رئيس تركيا يحكم قبضته على البلاد بعد انقلاب”. صحيح ان انقلاب العسكر وقع في تركيا، لكن النفاق حول الديموقراطية هو في أميركا.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب