آخر تحديث:12:19(بيروت)
السبت 31/12/2016
share

جزيرتان بلا قتال

محمد خير | السبت 31/12/2016
شارك المقال :
  • 0

ما زال البحث جارياً في التاريخ عن حالة بذل فيها حُكمٌ كل ما في وسعه لمنح جزء من أراضيه إلى بلد آخر. وما لم يكن ذلك الحكم مُكرهاً على ذلك، وما لم يكن يوقع تنازله تحت تهديد البوارج الحربية أو الجيوش المحتشدة على الحدود، فإن مثل تلك الحالة لا تجد نفسها إلا في المحاولات الرسمية المصرية الحثيثة لمنح جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، من دون أن تحتاج الأخيرة إلى بذل أي جهد ملحوظ للحصول على الجزيرتين، ولو بمجرد توكيل محام. ربما بذلت جهداً طفيفاً في تغيير معلومات الجزيرتين في "ويكيبيديا" فأصبحتا سعوديتين الآن طبقاً للموسوعة. لكن ربما كان ذلك الجهد مصرياً أيضاً، كمزيد من محاولات التوكيد على أننا "نردّ" الجزيرتين ولا "نتنازل" عنهما، وبذا يتم تجاوز عائق الدستور الذي يحظر التنازل عن أي جزء من الإقليم. فإن كانت المعاهدة "تردّ" أرضاً ولا "تتنازل" عنها، فإنها تصير من أعمال السيادة التي لا يختص بها القضاء ويكون للحكومة والبرلمان وحدهما حق التصرف.

ولأن الوضع غير مسبوق وغير "طبيعي" فإن محاولات التنازل الرسمية تلقى بعضاً من حالات الإنكار النفسي الشعبي، لو جاز التعبير، والتي تحاول أن تعزوها إلى لعبة سياسية لن تلبث أن تتكشف عن مكسب غير متوقع أو "خداع استراتيجي" معين. إلا أنه في ظاهر الأمر، تجري عملية التنازل عن الجزيرتين بنجاح، إذ لم يعد ثمة طبقة سياسية حقيقية يمكن أن تمنعه. فالبرلمان والحكومة خاليان من المعارضة، أما المعارضة خارجهما فأنهكها العدوان الأمني المتواصل والقوانين المشددة، بينما أنهك الشارع تماماً بالارتفاعات الهائلة في الأسعار. فمن غير المتوقع أن يُخالف ما أمر به الرئيس في تعليقه الوحيد على قضية الجزيرتين: "مش عايز كلام تاني في الموضوع ده"، وربما كان أكثر ما يزعج الحكم المصري الآن، ليس مسألة الجزيرتين في حد ذاتها، بل "حفنة" النشطاء والمحامين الذين أخذوا على عاتقهم أخذ القضية إلى المحاكم وإلى ضوء الرأي العام الذي لم يكن معظمه قد سمع بالجزيرتين، ألا أنه كان بالتأكيد يعرف "مضيق تيران" الذي كان إغلاقه سبباً جوهرياً في حرب 67 وما تبعها من آلام وشهداء.

وعلى مسافة قصيرة من تيران وصنافير، اللتين تشغلان مدخل مضيق تيران، تقبع جزيرة "شدوان" في مدخل خليج السويس، وعلى أرضها جرت "معركة شدوان" الملحمية يومي 21 و22 يناير 1970، في قلب معركة الاستنزاف، حين اشتبكت سريّة مصرية مع كتيبة مظليين إسرائيليين حاولت التسلل إلى الجزيرة تحت غطاء الطيران الإسرائيلي، وصمدت القوة المصرية حتى وصل الطيران المصري وقصف المواقع الإسرائيلية. انسحب المظليون الإسرائيليون بعد 36 ساعة، وبعدما غرقت الجزيرة الصغيرة في الدم والأشلاء. بالقتال إذاً، ظلت جزيرة شدوان في حوزة مصر إلى اليوم. أما تيران وصنافير، فنسلّمهما، كما قال المتنبي، "وتقتلنا المنون بلا قتال".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد خير

محمد خير

صحافي وكاتب مصري

مقالات أخرى للكاتب

التاريخ من أعلى السبت 18/02/2017
دماء في مقهى السبت 11/02/2017
ما فعله "التريند" الأحد 05/02/2017
دستور الشاعر الأحد 29/01/2017
المزيد