آخر تحديث:21:56(بيروت)
الإثنين 26/12/2016
share

الاستيطان: عربون المودة المصرية

شادي لويس | الإثنين 26/12/2016
شارك المقال :
  • 0

جاء بيان المتحدث باسم الرئاسة المصرية، علاء يوسف، المتعلق بالاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، والذي تناولا فيه مشروع القرار المصري في مجلس الأمن بشأن الاستيطان الاسرائيلي، لتؤكد تصريحات مسؤولين إسرائيليين عن طلب الحكومة الإسرائيلية من ترامب التدخل لمنع تمرير القرار، بعدما أصبح مؤكداً أن إدارة أوباما تعتزم الامتناع عن التصويت، بغية السماح بصدوره، وهو ما حدث بالفعل.

وفيما يبدو تراجع الوفد المصري المفاجئ، وسحبه لمشروع القرار، ولاحقاً التصويت لصالحه على مضض، تعبيراً عن تخبط في السياسة الخارجية المصرية، فإن المواقف المصرية في المحافل الأممية خلال العامين الماضيين تكشف عن تحول منهجي في سياسية الخارجية المصرية تجاه إسرائيل. ففي شهر نوفمبر من العام الماضي، صوتت مصر لصالح إنضمام إسرائيل لعضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي بالأمم المتحدة. ومع أن الخارجية المصرية بررت تصويتها، بأن القرار تضمن إنضمام قائمة بست دول للجنة، بينها ثلاث دول عربية، بما لا يسمح بالتصويت لدولة دون أخرى، إلا أنه كان واضحاً أن التصويت المصري لم يأت في إطار إجماع عربي، على عكس ادعاء الخارجية المصرية. امتنعت 21 دولة عن التصويت، بينها قطر والجزائر والكويت وموريتانيا وسوريا وتونس والمغرب والسعودية واليمن، وغابت ثلاث دول عربية أخرى عن الجلسة، هى الأردن وليبيا ولبنان، وإن كان هذا لا ينفي تصويت دول عربية أخرى لصالح القرار. وفي يونيو من العام الجاري، فازت إسرائيل برئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، لتتولى، للمرة الأولى، رئاسة واحدة من اللجان الدائمة الست للمنظمة الدولية منذ إنضمامها لها في العام 1949. ورغم أن المجموعة العربية والإسلامية في المنظمة، أعلنت معارضاتها لرئاسة الدولة الأكثر إنتهاكاً للقانون الدولي، للجنة الأمم المتحدة القانونية، إلا أن مصادر دبلوماسية دولية أكدت أن أربع دول عربية صوتت لصالح إسرائيل، يرجح أن تكون مصر من بينها. وبعيداً من الأمم المتحدة، فاز مدير إتحاد كرة اليد الإسرائيلي، بمنصب نائب رئيس اتحاد مباريات حوض البحر المتوسط، بعدما صوّت مندوبا مصر وتونس لصالحه في سبتمبر من العام الماضي.

لكن الأمر لا يتعلق بتحول في الدبلوماسية المصرية فحسب. فالإجماع العربي المناهض لإسرائيل في المحافل الدولية، والذي لطالما كان متماسكاً في الماضي، بالرغم من الخلافات العربية-العربية أو حتى العلاقات الحميمة الرسمية وغير الرسمية مع الدولة العبرية، يبدو اليوم شديد الهشاشة ومحل تساؤل، بالرغم من تمرير قرار الاستيطان الرمزي في مجلس الأمن. فإن تراجع الدور الأميركي في المنطقة، خلال الفترتين الرئاسيتين لأوباما، والتدخل الروسي لملء الفراغ الذي خلّفه ذلك الانسحاب النسبي، مع تمدد النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق وتهديده لدول الخليج بشكل مصيري، دفع إلى النظر لإسرائيل بوصفها صمام الأمام الوحيد لكبح تصاعد هيمنة إيران وحلفائها، إن لم يكن باعتبارها حليفاً مستقبلياً في حال تحول الصِّدام مع إيران إلى مواجهة مباشرة. كما أن تفجر الخلافات العربية-العربية على خطوط مواقفها من الصراعات الإقليمية، والتي لم تقتصر على الخلافات المصرية الخليجية الأخيرة حول سوريا، بل امتدت حتى وقت قريب إلى تنافس خليجي-خليجي، تورطت فيها مصر والجزائر لدعم فصائل متحاربة في ليبيا، بل وسببت توتراً في العلاقات المصرية-المغربية على خلفية مسألة الصحراء.. دفع ذلك كله إلى خروج القضية الفلسطينية من دائرة الأولويات العربية. الأمر الذي أصبح معه العداء الدبلوماسي لإسرائيل- وإن كان صُورياً- عبئاً غير مبرر، بل وربما أصبح تفكيكه محوراً للتنافس بين أصحاب الخصومات العربية.

ثم فاز ترامب، وأعلن بشكل واضح تغيّراً في أولويات الإدارة الأميركية المقبلة، لصالح اعتبار الدعم المطلق لإسرائيل ركيزة وحيدة لسياسته في الشرق الأوسط، وأكد تحوله عن الثوابت الأميركية الأستراتيجية المتعلقة بضمان أمن دول الخليج، ملمّحاً لتراجع عن دعم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مالياً وعسكرياً ومن بينهم مصر. وهذا ما فرض واقعاً جديداً يعزز موقع إسرائيل الإقليمي كمدخل وحيد لنيل رضا الولايات المتحدة والتأثير في مواقفها، وكوكيل حصري عنها للقيام بأدوارها التاريخية في الأقليم، والتي يبدو اليوم أنها تخلت عن معظمها.

هكذا، فإن سحب مشروع قرار الاستيطان المصري، والتصويت لصالحه لاحقاً بغية حفظ ماء الوجه، يؤكد مرة أخرى على طبيعة آليات الدبلوماسية المصرية الحالية ومغامراتها البراغماتية المتتالية، والتي من خلالها سعت إلى استخدام أدواتها المتواضعة في لعب دور إقليمي فعال، ولتقديم عربون مودة للإدارة الأميركية المقبلة لم يُكتب له أن يكتمل. لكن الدلالة الأعمق للموقف المصري المتناقض من قرار مجلس الأمن الأخير، هو في إعلانه النهائي عن التحول الجذري في موقع إسرائيل الإقليمي، وفي مواقف الدول العربية منها، لا بوصفها شراً لا بد منه وينبغي التعايش معه على مضض، بل بوصفها حليفاً ممكناً، ومرتكزاً لضبط علاقات القوى في المنطقة وضامناً لتوازناتها. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب